للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

لكريم الدين: ما هذه؟ قال: يتيمم لكل صلاة. وكان المعظم يقول: والله ما فاتتني صلاة قط» (١).

ثم يحدثه كريم الدين الخلاطي عن تلك الساعات التي أعقبت انصرافه، فيقول: بات تلك الليلة ساهرا، فغفت عينه قبل الفجر، وكان قد قام قياما عظيما، ففتح عينيه وقد كادت الشمس أن تطلع، فلم يقدر على التيمم، فصلى بالإيماء. وكان يقول: الموت خير من الحاجة إلى الناس، ويقول: قد صح عن النبي أنه قال: «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري عبد أبدا» (٢)، وكم في منخري من تراب في سبيل الله (٣).

ويفقد سبط ابن الجوزي بوفاة المعظم عيسى أعز أصدقائه من الملوك، ويتجلى حزنه عليه بما أغدق عليه من صفات، فقد «كان شجاعا، مقداما، كثير الحياء، متواضعا، مليح الصورة، ضحوكا، غيورا، جوادا، حسن السيرة والعشرة، محافظا على الصحبة والمودة» (٤).

وينتشر خبر وفاته بدمشق، ويحزن عليه أهلها لحبهم له، فقد كان محسنا إليهم، ذابا عن حريمهم، رفيقا بهم، يعرف صغيرهم وكبيرهم.

ويصور لنا سبط ابن الجوزي حزن أهل دمشق عليه بقوله: «وجرى على الرعية في وفاته ما لم يجر عليهم عند موت أحد من الملوك. ورأيت بنات البيوت اللواتي لم يخرجن قط من خدورهن من أوائل الليل يأتين إلى تحت القلعة، وقد شققن ثيابهن ونشرن شعورهن، يلطمن عليه، ثم يمشين في الأسواق، ويلطمن إلى الصباح، أقمن على ذلك شهرا. وكذا في الميادين».


(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٩).
(٢) بنحو هذا اللفظ أخرجه أحمد في «المسند» (٧٤٨٠)، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده.
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦).

<<  <   >  >>