على صدقه. والثاني أن الجنس إلى الجنس أميل، فصح أن يرسل إليهم من جنسهم لئلا ينفروا وليعقلوا عنه، ثم تخصيص ذلك الجنس بما عجز عنه جنسه دليل على صدقه. والثالث أنه ليس في قوى البشر رؤية الملك وإنما الله تعالى يقوي الأنبياء بما يرزقهم من إدراك الملائكة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا﴾ أي لينظروا إليه ويأنسوا به ويفهموا عنه ثم قال: ﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ (الانعام: ٩). أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرون أملك هو أم آدمي.
الشبهة الثالثة قالوا: نرى ما تدعيه الأنبياء من علم الغيب والمعجزات وما يلقى إليهم من الوحي يظهر جنسه على الكهنة والسحرة فلم يبق لنا دليل نفرق به بين الصحيح والفاسد. والجواب أن نقول: أن الله ﵎ بين الحجج ثم بث الشبهة وكلف العقول الفرق، فلا يقدر ساحر أن يحيي ميتا ولا أن يخرج من عصا حية، وأما الكاهن فقد يصيب ويخطيء بخلاف النبوة التي لا خطأ فيها بوجه.
الشبهة الرابعة قالوا: لا يخلو اما أن تجيء الأنبياء بما يوافق العقل أو بما يخالفه، فإن جاءوا بما يخالفه لم يقبل، وإن جاءوا بما يوافقه فالعقل يغني عنه. والجواب أن نقول: قد ثبت أن كثيرا من الناس يعجزون عن سياسات الدنيا حتى يحتاجون إلى متمم كالحكماء والسلاطين، فكيف بأمور الإلهية والأخروية.
الشبهة الخامسة قالوا: قد جاءت الشرائع بأشياء ينفر منها العقل فكيف يجوز أن تكون صحيحة من ذلك إيلام الحيوان. والجواب أن العقل ينكر إيلام الحيوان بعضه لبعض، فأما إذا حكم الخالق بالإيلام لم يبق للعقل اعتراض. وبيان ذلك أن العقل قد عرف حكمة الخالق ﷾ وأنه لا خلل فيها ولا نقص، فأوجبت عليه هذه المعرفة التسليم لما خفي عنه، ومتى اشتبه علينا أمر في فرع لم يجز أن نحكم على الأصل بالبطلان. ثم قد ظهرت حكمة ذلك فانا نعلم أن الحيوان يفضل على الجماد، ثم الناطق أفضل مما ليس بناطق بما أوتي من الفهم والفطنة والقوى النظرية والعملية. وحاجة هذا الناطق إلى إبقاء فهمه، ولا يقوم في إبقاء القوى مقام اللحم شيء، ولا يستطرف (١) تناول القوي الضعيف، وما فيه فائدة عظيمة لما قلت فائدته وإنما خلق الحيوان البهيم للحيوان الكريم فلو لم يذبح لكثر وضاق به.