وقد جاء الشرع بذلك فنحن نؤمن بالجمع بين السعادتين، وبين الشقاوتين الروحانية والجسمانية، وأما إقامتكم الحقائق في مقام الأمثال فتحكم بلا دليل.
فإن قالوا: الأبدان تنحل وتؤكل وتستحيل قلنا: القدرة لا يقف بين يديها شيء. على أن الإنسان إنسان بنفسه، فلو صنع له البدن من تراب غير التراب الذي خلق منه لم يخرج عن كونه هو هو كما أنه تتبدل أجزاؤه من الصغر إلى الكبر وبالهزال والسمن فإن قالوا: لم يكن البدن بدنا حتى يرتقي من حالة إلى حالة إلى أن صار لحما وعروقا قلنا: قدرة الله ﷾ لا تقف على المفهوم المشاهد ثم قد أخبرنا نبينا ﷺ أن الأجسام تنبت في القبور قبل البعث. وأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي البزار، نا أبو محمد الجوهري، نا عمر بن محمد بن الزيات، ثنا قاسم بن زكريا المطرز، ثنا أبو كريب، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وبصلم: «ما بين النفختين أربعون (١) قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوما، قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرا، قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة، قال: أبيت قال ثم ينزل الله ماء من السماء فينبتون كما ينبت البقل، قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا، وهو عجب (٢) الذنب، منه خلق ومنه يركب الخلق يوم القيامة» أخرجاه في الصحيحين».
فصل
وقد لبس إبليس على أقوام من أهل ملتنا فدخل عليهم من باب قوة ذكائهم وفطنتهم، فأراهم أن الصواب اتباع الفلاسفة لكونهم حكماء قد صدرت منهم أفعال وأقوال دلت على نهاية الذكاء وكمال الفطنة، كما ينقل من حكمة سقراط وأبقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وجالينوس. وهؤلاء قد كانت لهم علوم هندسية ومنطقية وطبيعية واستخرجوا بفطنهم أمورا خفية إلا أنهم لما تكلموا في الالهيات خلطوا، ولذلك اختلفوا فيها ولم يختلفوا في الحسيات والهندسيات.
(١) هذه رواية مسلم، ورواية البخاري المسؤول فيها هو النبي ﵌. ومعنى أبيت: امتنعت عن الأخبار بما لا أعلم، وقد جاءت مفسرة من رواية غيره في غير مسلم أربعون سنة. (٢) هو بفتح العين وإسكان الجيم: العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب وهو رأس العصعص.