آدم وإبراهيم فقط. وقد حكى أبو محمد النوبختي في كتاب «الآراء والديانات» أن قوما من الهند من البراهمة أنبتوا الخالق والرسل والجنة والنار وزعموا أن رسولهم ملك أتاهم في صورة البشر من غير كتاب، له أربعة أيد واثنا عشر رأسا من ذلك رأس إنسان ورأس أسد ورأس فرس ورأس فيل ورأس خنزير وغير ذلك من رؤوس الحيوانات، وأنه أمرهم بتعظيم النار ونهاهم عن القتل والذبائح إلا ما كان للنار، ونهاهم عن الكذب وشرب الخمر، وأباح لهم الزنا وأمرهم أن يعبدوا البقر، ومن ارتد منهم ثم رجع حلقوا رأسه ولحيته وحاجبيه وأشفار (١) عينيه، ثم يذهب فيسجد للبقر في هذيانات يضيع الزمان بذكرها.
قال المصنف: وقد ألقى إبليس إلى البراهمة ست شبهات:
الشبهة الأولى: استبعاد اطلاع بعضهم على ما خفي عن بعض، فقالوا: ﴿ما هذا إلا بشر مثلكم﴾ (المؤمنون: ٢٤) والمعنى وكيف أطلع على ما خفي عنكم. وجواب هذه الشبهة أنهم لو ناطقوا (٢) العقول لأجازت اختيار شخص لخصائص يعلو بها جنسه، فيصلح بتلك الخصائص لتلقف الوحي إذ ليس كل أحد يصلح لذلك. وقد علم الكل أن الله ﷾ ركب الأمزجة متفاوتة وأخرج إلى الوجود أدوية تقاوم ما يعرض من الفساد البدني، فإذا أمد النبات والأحجار بخواص لإصلاح أبدان خلقت للفناء ها هنا وللبقاء في دار الآخرة لم يبعد أن يخص شخصا من خلقه بالحكمة البالغة والدعاية إليه إصلاحا لمن يفسد في العالم بسوء الأخلاق والأفعال. ومعلوم أن المخالفين لا يستنكرون أن يختص أقوام بالحكمة ليسكنوا فورات الطباع الشريرة بالموعظة، فكيف ينكرون أمداد الباري سبحانه بعض الناس برسائل ومصالح ووصايا يصلح بها العالم ويطيب أخلاقهم ويقيم بها سياستهم، وقد أشار ﷿ إلى ذلك في قوله ﷿: ﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس﴾ (يونس: ٢).
الشبهة الثانية قالوا: هلا أرسل ملكا فإن الملائكة إليه أقرب ومن الشك فيهم أبعد، والآدميون يحبون الرياسة على جنسهم فيوقع هذا شكا. وجواب هذا من ثلاثة أوجه: أحدها أن في قوى الملائكة قلب الجبال والصخور فلا يمكن إظهار معجزة تدل على صدقهم، لأن المعجزة ما خرقت العادة وهذه عادة الملائكة، وإنما المعجزات الظاهرة ما ظهرت على يد بشر ضعيف ليكون دليلا.
(١) الشفر: أصل منبت شعر الجفن (٢) ناطقه: كلمه وقاوله