مائدة اليمن إلى مائدة الحرم، ثم قال:(١) وحق الأحباب والفتيان لقد كنا أربعة نفر مصطحبين في هذه الطريق نخرج إلى زيارة قبر النبي ﷺ على التجريد، ونتعاهد بيننا أن لا نلتفت إلى مخلوق ولا نستند إلى معلوم، فجئنا إلى النبي ﷺ ومكثنا ثلاثة أيام لم يفتح لنا بشيء، فخرجنا حتى بلغنا الجحفة (٢)، ونزلنا وبحذائنا نفر من الأعراب فبعثوا إلينا بسويق، فأخذ بعضنا ينظر إلى بعض ويقول: لو كنا من أهل هذا الشأن لم يفتح لنا بشيء حتى ندخل الحرم، فشربناه على الماء، وكان طعامنا حتى دخلنا مكة.
قلت: اسمعوا إخواني إلي توكل هؤلاء كيف منعهم من التزود المأمور به فأحوجهم إلى أخذ صدقات الناس، ثم ظنهم أن ما فعلوه مرتبة جهل بمعرفة المراتب.
ومن اعجب ما بلغني عنهم في أسفارهم ما أخبرنا به محمد بن أبي القاسم البغدادي، نا أبو محمد التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: بلغني أن أبا شعيب المقفع وكان قد حج سبعين حجة راجلا أحرم في كل حجة بعمرة وحجة من عند صخرة بيت المقدس، ودخل بادية تبوك على التوكل، فلما كان في حجته الأخيرة رأى كلبا في البادية يلهث عطشا، فقال: من يشترى سبعين حجة بشربة ماء؟ قال: فدفع إليه إنسان شربة ماء فسقى الكلب، ثم قال: هذا خير لي من حجي لأن النبي ﷺ قال: «في كل ذات كبد حرى (٣) أجر (٤)».
أخبرنا عبد الأول بن عيسى، نا ابن أبي الكوفاني، ثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن موري الحبوساني، نا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي المعروف بابن السراج، قال: سمعت الوجهي يقول: سمعت أبا علي الروذبارى يقول: كان في البادية جماعة ومعنا أبو الحسين العطوفي فربما.
(١) الحلف بغير الله حرام، فقد قال رسول الله ﷺ: من حلف بغير الله فقد اشرك. رواه احمد والترمذي والحاكم وصححه وأقره الذهبي، وقال العراقي: رجاله ثقات. (٢) قرية على اثنين وثمانين ميلا من مكة وهي ميقات اهل الشام. (٣) عطشة. (٤) متفق عليه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «وغفر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي يلهث كاد يقتله العطش، فنزعت خفها فأوثقته بخمارها فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك. قيل: ان لنا في البهائم أجرا؟ قال: في كل ذات كبد رطبة أجر».