إلا رجل غريب، فخرجنا نطلب في المساجد رجلا غريبا فلم نجد إلى أن انتهينا إليكم، ولو لم يأكل هذا الشيخ لقتلته ضربا إلى أن يأكل لئلا تطلق سيدتي من زوجها، قال: فقال الشيخ: كيف تراه إذا أراد أن يرزق؟
قال المصنف ﵀: ربما سمع هذا جاهل فاعتقده كرامة، وما فعله الرجل من أقبح القبيح، فإنه يجرب على الله ويتألى (١) عليه، ويحمل على نفسه من الجوع ما لا يجوز له، وهذا لا يجوز له، ولا ينكر أن يكون لطف به إلا أنه فعل ضد الصواب، وربما كان إنفاذ ذلك رديئا لأنه يعتقد أنه قد أكرم وإن ذلك منزلة. وكذلك حكاية حاتم التي قبلها فإنها إن صحت دلت على جهل بالعلم وفعل لما لا يجوز، لأنه ظن أن التوكل إنما هو ترك التسبب، فلو عمل بمقتضى واقعته لم يمضغ الطعام ولم يبلعه، فإنه تسبب وهل هذا إلا من تلاعب إبليس بالجهال لقلة علمهم بالشرع، ثم أي قربة في هذا الفعل البارد وما أظن غالبه إلا من (الماليخوليا).
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، نا أحمد بن علي بن المحسن، قال: حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري، قال: قال لي جعفر الخلدي: وقفت بعرفة ستا وخمسين وقفة منها إحدى وعشرون على المذهب، فقلت لابى اسحاق: وأى شئ أراد بقوله - على المذهب - فقال: يصعد إلى قنطرة الناشرية فينفض كمية حتى يعلم أنه ليس معه زاد ولا ماء ويلبى ويسير
قال المصنف ﵀: وهذا مخالف للشرع فان الله تعالى يقول: ﴿وتزودوا﴾ (البقرة: (١٩٧) ورسول الله ﷺ قد تزود (٢). ولا يمكن أن يقال: إن هذا الآدمي لا يحتاج إلى شيء في مدة أشهر فإن احتاج ولم يتزود فعطب أثم وإن سأل الناس أو تعرض لهم لم يف ذلك بدعوى التوكل، وإن أدعى أنه يكرم ويرزق بلا سبب فنظره إلى أنه مستحق لذلك محنة، ولو تبع أمر الشرع وحمل الزاد كان أصلح له على كل حال.
وأنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر، قال: أخبرني أبي عن بعض الصوفية: أنه قدم عليه من مكة جماعة من المتصوفة، فقال لهم: من صحبتم؟ فقالوا: حاج اليمن، فقال: أوه التصوف قد صار إلى هذا؟! أو التوكل قد ذهب، أنتم ما جئتم على الطريقة والتصوف، وإنما جئتم من
(١) تألى: حلف. (٢) كما في حديث الهجرة المروي في الصحيحين.