وأقوالُ السَّلفِ وأحوالُهم تَدلُّ على ما قُلناه، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابَه لم يُنقَلْ عنهم المُوالاةُ بينَها، وإنَّما نُقل عنهم إنكارُ ذلك والحَقُّ في اتِّباعِهم.
قال طاوُسٌ: الذينَ يَعتمِرون من التَّنعيمِ ما أدري يُؤجَرون عليها أو يُعذَّبون، قيلَ له: فلِم يُعذَّبون؟ قال: لأنَّه يَدعُ الطَّوافَ بالبَيتِ، ويَخرجُ إلى أربعةِ أميالٍ ويَجيءُ، وإلى أنْ يَجيءَ من أربعةِ أميالٍ قد طافَ مِئتَي طَوافٍ.
وكلَّما طافَ بالبَيتِ كان أفضلَ من أنْ يَمشيَ في غيرِ شيءٍ، وقد اعتمَر النَّبيُّ ﷺ أربعَ عُمرٍ في أربعِ سَفراتٍ لم يَزدْ في كلِّ سَفرةٍ على عُمرةٍ واحِدةٍ، ولا أحدٌ ممَّن معه، ولم يَبلُغْنا أنَّ أحدًا منهم جمَع بينَ عُمرتَين في سَفرٍ واحدٍ معه إلا عائشةَ ﵂ حينَ حاضَتْ فأعمَرها من التَّنعيمِ لأنَّها اعتقَدت أنَّ عُمرةَ قِرانِها بطَلت، ولهذا قالت:«يا رَسولَ اللهِ، يَرجعُ الناسُ بحَجٍّ وعُمرةٍ وأرجعُ أنا بحَجةٍ»، فأعمَرها لذلك، ولو كان في هذا فَضلٌ لَما اتَّفَقوا على تَركِه (١).
وقال ابنُ القَيمِ ﵀: فإنْ قيلَ: فبأيِّ شيءٍ يَستحبُّون العُمرةَ في السَّنةِ مِرارًا إذا لم يُثبِتوا ذلك عن النَّبيِّ ﷺ؟ قيلَ: قد اختُلِف في هذه المَسألةِ، فقال مالكٌ: أكرَهُ أنْ يُعتمَرَ في السَّنةِ أكثرُ من عُمرةٍ واحِدةٍ، وخالَفه مُطرِّفٌ من أصحابِه، وابنُ المَوَّازِ: قال مُطَرِّفٌ: لا بَأسَ بالعُمرةِ في السَّنةِ