وإن كانَ في كَلامِ بعضِ المُتأخِّرِينَ ما يُوهِمُ خِلافَ ذلك (١).
وذَهب الحَنابِلةُ إلى صحَّةِ صَلاةِ مَنْ خاطَبَ بشَيءٍ مِنْ القُرآنِ.
قالَ البُهوتيُّ ﵀: لِما رَوى الخلَّالُ بإسنادِه عن عَطاءِ بنِ السَّائِبِ قالَ: استَأذَنَّا على عَبد الرَّحمنِ بنِ أبي لَيلَى وهو يُصلِّي، فقالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]؛ فقُلنا: كيفَ صَنَعتَ؟ فقالَ: استَأذَنَّا على عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ وهوَ يُصلِّي فقالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]، ولأنَّه قُرآنٌ لم تَفسُد به الصَّلاةُ، كما لو لم يَقصِدِ التَّنبيهَ، وقالَ القاضي: إذا قَصد بالحَمدِ الذِّكرَ أو القُرآنَ، لم تبطُل، وإن قَصد خِطابَ آدَميٍّ بطَلت، وإن قَصدهُما فوَجهانِ، فأمَّا إن أتَى بما لا يَتمَيَّزُ به القُرآنُ من غيرِه، كَقولِه لِرَجلٍ اسمُه إبراهيمُ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [هود: ٧٦]؛ ونحوِه، فَسَدَت صَلاتُه؛ لأنَّ هذا كَلامُ النَّاسِ، ولَم يَتمَيَّز عن كَلامِهم بمَا يَتمَيَّزُ به القُرآنُ؛ أشبَهَ ما لو جَمعَ بينَ كَلِماتٍ مُتفرِّقةٍ مِنْ القُرآنِ، فقالَ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [هود: ٧٦]: ﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١] ﴿الْكَبِيرُ﴾ [الرعد: ٩] (٢).
كما ذَهب الإمامانِ أبو حَنيفَةَ ومُحمَّدٌ -رحمهما الله- إلى بُطلانِ الصَّلاةِ بكلِّ مَا قُصد به الجَوابُ مِنْ الذِّكرِ والثَّناءِ، خِلافًا لِأبي يُوسفَ، كأَن قِيلَ: أَمعَ اللهِ إلهٌ؟ فقالَ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥]. أو: ما مالُكَ؟ فقالَ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨].
(١) «مُغني المحتاج» (١/ ١٩٦).(٢) «كشاف القناع» (١/ ٣٨١).
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute