فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:

١ - أَنَّ نَفْسَ الحَدِيثِ مَوضِعِ الاسْتِدْلَالِ جَاءَ بِلَفْظٍ يُشْعِرُ بالامْتِهَانِ؛ وَلَكِنْ بَعْدَ قَطْعِ الرُؤُوسِ مِنَ الصُورَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفْسَ الامْتِهَانِ لَا يَكْفِي، وَاللَّفْظُ هُوَ: أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَعَرَفَ صَوتَهُ فَقَالَ: ((ادْخُلْ))، فَقَالَ: إِنَّ فِي البَيتِ سِتْرًا فِي الحَائِطِ فِيهِ تَمَاثِيلُ! فَاقْطَعُوا رُءُوسَهَا فَاجْعَلُوهَا بِسَاطًا أَو وَسَائِدَ فَاوطَئُوهُ؛ فَإِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ (١).

فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ ذِكْرِ الوَسَائِدِ المَوطُوءَةِ إِذًا؟!

فَالجَوَابُ عَلَيهِ: أَنَّ هَذَا يَكُونُ إِرْشَادًا إِلَى عَدَمِ إِتْلَافِهِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا تَغْيِيرُهُ بِطَرِيقَةٍ تُمَكِّنُ مِنَ الانْتِفَاعِ بِهِ كَالوَسَائِدِ؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ ضَرْبِ المِثَالِ لَا الحَصْرِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.


(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٨٠٧٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).
وَأَمَّا لَفْظُ النَّسَائِيِّ (٥٣٦٥) الَّذِي فِيهِ التَخْيِيرُ وَهُوَ: (فَإِمَّا أَنْ تُقْطَعَ رُءُوسُهَا أَو تُجْعَلَ بِسَاطًا يُوطَأُ) فَهُوَ مَرْجُوحٌ مِنْ وَجْهَينِ:
مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ؛ قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (٣٥٦): "قُلْتُ: وَقَدْ تَابَعَهُ أَبُو إِسْحَاقَ [أي لِيُونُسَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ وَهُوَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ]، فَقَالَ أَحْمَدُ (٢/ ٣٠٨): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا مَعْمَرُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ مُخْتَصَرًا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيخَينِ لَولَا أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ -وَهُوَ السَّبِيعِيَّ؛ وَالِدَ يُونُسَ- كَانَ تَغَيَّرَ فِي آخِرِهِ، وَقَدْ اخْتُلِفَ عَلَيهِ فِي لَفْظِهِ؛ فَرَوَاهُ عَنْهُ مَعْمَرُ هَكَذَا، وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْهُ بِهِ نَحْوَهُ بِلَفْظِ: ((فَإِمَّا أَنْ تُقْطَعَ رُءُوسُهَا أَو تُجْعَلَ بِسَاطًا يُوطَأُ)) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (٢/ ٣٠٢) وَالأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ مَعْمَرًا حَفِظَهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ الكُوفِيُّ، قَالَ الحَافِظُ: ثِقَةٌ عَابِدٌ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَبُرَ سَاءَ حِفْظُهُ، وَكِتَابُهُ صَحِيحٌ".
ب- مِنْ جِهَةِ الفِقْهِ: أَنَّهُ قَدْ جَاءَ امْتِنَاعُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ دُخُولِ البَيتِ -وَفِيهِ النُمْرُقَةُ (الوِسَادَةُ) الَّتِي عَلَيهَا صُورَةٌ- وَهِيَ مُمْتَهَنَةٌ بِلَا رَيبٍ. وَقَدْ سَبَقَ الحَدِيثُ فِي ذَلِكَ.

<<  <  ج: ص:  >  >>