فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

- المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: إِذَا كَانَ لَا يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِالقَدَرِ عَلَى المَعْصِيَةِ؛ فَكَيفَ احْتَجَّ آدَمُ ﵊ بِالقَدَرِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ؟ (١)

الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَينِ:

١ - أَنَّ لَومَ مُوسَى ﵊ لِآدَمَ لَيسَ هُوَ عَلَى المَعْصِيَةِ؛ وَإِنَّمَا عَلَى الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَجَابَ عَنْهُ آدَمُ ﵊ بِكَونِهِ مَكْتُوبًا عَلَيهِ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ المَعْصِيَةَ، فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِالقَدَرِ عَلَى الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ وَلَيسَ عَلَى المَعْصِيَةِ نَفْسِهَا، فَالمَعْصِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِآدَمَ وَحْدَهُ، بِخِلَافِ الهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ فَهُو مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ بَني آدَمَ، وَهَذَا الَّذِي لَامَ عَلَيهِ مُوسَى ﵊.

وَعَلَيهِ؛ فَإِنَّ آدَمَ لَمْ يَحْتَجَّ بِالقَدَرِ عَلَى المَعْصِيَةِ! وَإِنَّمَا عَلَى الهُبُوطِ بِشَأْنِ الذُّرِّيَّةِ، وَهُوَ شَيءٌ مُخْتَلِفٌ عَنِ المَعْصِيَةِ.

قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "الصَّوَابُ فِي قِصَّةِ آدَمَ وَمُوسَى أَنَّ مُوسَى لَمْ يَلُمْ آدَمَ إلَّا مِنْ جِهَةِ المُصِيبَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُ وَذُرِّيَّتَهُ بِمَا فَعَلَ لَا لِأَجْلِ أَنَّ تَارِكَ الْأَمْرِ مُذْنِبٌ عَاصٍ! وَلِهَذَا قَالَ: لِمَاذَا أَخْرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنَ الجَنَّةِ؟ لَمْ يَقُلْ: لِمَاذَا خَالَفْت الْأَمْرَ وَلِمَاذَا عَصَيْت؟ وَالنَّاسُ مَأْمُورُونَ عِنْدَ المَصَائِبِ الَّتِي تُصِيبُهُمْ بِأَفْعَالِ النَّاسِ أَوْ بِغَيْرِ أَفْعَالِهِمْ بِالتَّسْلِيمِ لِلْقَدَرِ وَشُهُودِ الرُّبُوبِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا


(١) وَالحَدِيثُ هُوَ: ((التَقَى آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى لِآدَمَ: أنْتَ الَّذِي أَشْقَيتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الجَنَّةِ؟! قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ، وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيكَ التَّورَاةَ؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَوَجَدْتَهَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى)). البُخَارِيُّ (٤٧٣٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٥٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
وَمَعْنَى (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى): أَي: غَلَبَهُ بِالحُجَّةِ.

<<  <  ج: ص:  >  >>