للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويتشعب منه في غربيه شعبة تسمّى المنهى، تستقل نهرا يصل إلى الفيّوم، يقال إن يوسف احتفره أيام تولّيه لأمور ملك مصر، وهو يعرف إلى الآن ببحر يوسف، وهو نهر لا ينقطع جريانه في وقت من أوقات السنة، بخلاف بقية ما يتشعب بالديار المصرية من خلجان النيل، فيسقي الفيوم عامّة، سقيا دائما لا ينقطع، ثم يبحر فاضل مائه في بحيرة هناك.

ومن العجب - وهو ما رأيته بعيني - أنه ينقطع ماوه من فوّهته أوان انقطاع المياه من خلجان الديار المصرية، ويندّى دون فوّهته، ثم يكون له بلل دون المكان المندّى، ثم يجري جريا ضعيفا دون مكان البلل، ثم يستقل نهرا جاريا لا ينقطع إلا بالسفن، ويتشعب منه أنهار، وتنقسم قسما تعمّ الفيوم لسقي قراه ومزارعه وبساتينه وعامّة أماكنه.

ثم نعود إلى ذكر عمود النيل الممتدّ: فنقول:

إنه من دروة سربام حيث يتشعب المنهى يستمر في بقية الصعيد، يشقه شقا إلى مدينة الفسطاط (وهي التي يسميها الآن عامة أهل مصر بمصر) (١) حتى يتعدّاها، ثم يتفرّق فرقتين: تأخذ إحداهما على دمياط، والأخرى على رشيد، وعندهما انتهاء النيل، ويصب في البحر الشاميّ.

ومن مبدإ هبوطه من أسوان مارّا في الصعيد إلى أن تصب فرقتاه في البحر الشاميّ، تقسم منه البحار والأنهار، وتتشعب منه الخلج والمساقي، تجري في زيادته، وتنقطع في نقصه.


= سنة ٦٦٣ هـ، انظر: السلوك للمقريزي، نهاية الأرب للنويري، صبح الأعشى ٤/ ٦٩، ١/ ٤١٣ (طبعة بيروت)، ذيل مرآة الزمان ٢/ ٣٢٣.
(١) واسمها الآن مصر القديمة، ومصر العتيقة. (زكي)

<<  <  ج: ص:  >  >>