فصعد المنبر، وأخذ في إحدى يديه سيفا وفي الأخرى دينارا، ثم قال: أما بعد فقد كتبت لنا ورقة، يسأل فيها عن نسبنا، وهذا نسبي، وأشار إلى السيف، وهذا حسبي، وأشار إلى الدينار، فمن أقر بنسبي أدخلته حسبي، ومن لم يرد حسبي قتلته بنسبي، والسلام، ثم نزل.
وكانوا يكرمون الغرباء، وينعمون إنعاما يعمّ الناس، ويخصون الأدباء مع ما كان فيهم من احتقاب إفك (١)، واختضاب سيف بسفك، واتخاذ شيعة تسترك عقود الأنام، وتأخذ بالألباب أخذ النعاس بعين النيام، وفيهم يقول ابن قادوس (٢)، ويعرّض بالعباسيين وشعارهم، وهو:
[الكامل]
أنتم بنو الزهراء أوضح نوركم … للناس بهجا نائل ورشاد
وهم لما خوّلتم في مأثم … جمعوا العبوس إلى لباس حداد [ص ٤٥]
وقد ذهب بعض الناس إلى أن هذه الدولة من بني أبي لهب بن عبد المطلب بن هاشم، وقيل بل هم من حمير ثم من صنهاجة، والخلاف فيهم كثير، وها أنا
(١) احتقاب إفك: اقتراف ذنب وحمل الإثم. (٢) ابن قادوس: محمود بن إسماعيل بن حميد الدمياطي، أبو الفتح المعروف بابن قادوس، منشئ من الشعراء، كان كاتب الإنشاء بمصر، نعته ابن ميسر بالقاضي المفضل قاضي الكفاة، وكان القاضي الفاضل يلقبه بذي البلاغتين (الشعر والنثر)، له ديوان شعر في مجلدين، توفي بمصر سنة ٥٥٣ هـ. (أخبار مصر - لابن ميسر ٢/ ٩٧، الخريدة قسم مصر ١/ ٢٢٦.، حسن المحاضرة ١/ ٢٥٨، كشف الظنون ٧٦٧)