جميع بدنه. فلما رأى التراب والجندل بحالهما، قبض علي وجمع يده وضرب بها لغدي، ضربة أقرح بها قلبي. فقلت: ثكلتك أمك، يا عمر! ما هذا
الاستخذاء للعلج؟ وأقبض عليه فأطرحه تحتي وآخذ المسحاة. فأضرب بها رأسه، ضربة فلقت بها دماغه. فمات (١). وبادرت هاربا من المدينة. وسرت من يومي وليلتي، فصبّحت ديرا، فدخلته. فلما رآني راهبه قال: أضيف أنت؟ قلت:
نعم. وكنت قد أعييت، فاضطجعت نائما ما شاء الله. ثم أيقظني الراهب وقال:
من أين أنت؟ قلت: من مكة. فصعّد نظره وصوبه. ثم قال: ما اسمك؟ قلت:
عمر. فأخرج كتابا عنده ونظر فيه، وأعاد في مرات. ثم وثب فقبل رأسي.
فقلت: ما حملك على هذا؟ فقال: هل ظهر عندكم رجل يذكر أنه نبي؟
وقد كان وقع لي شيء من خبر النبي، ﷺ. فقلت: قد سمعت بعض الناس يذكر ما سألت عنه. فقال: اعلم أنك وحق المسيح ستملك أكثر الأرض، وتخرج هرقل من الشام، وتغلب عليها. فاكتب لي أمانا، ولديري. فقلت: يا هذا! ما أدري ما تقول. فقال: هو ما أقوله لك، وأنت هو لا محالة. فجعلت أعجب منه وأدفع قوله، وهو يلحّ عليّ في سؤاله ذلك. فلما أطال، قلت: ما تريد؟ فقال:
كتابك. وأتاني بقطعة من أدم، فكتبت له ما أملاه عليّ من ترك الخراج والوصاة به. ولفّه مع كتابه ذلك. وأكرم مثوايّ. وبكّرت غاديا من عنده. فأسرج لي حمارة وقال اركبها. فإنك ما تمرّ [٢٥٢] بدير، فيراها راهبه إلا أكرمك. وإذا بلغت آخر دير يلي بلدك، فخلّفها عند سكّانه. وزودني وانصرفت.
فيقال إن عمر لما خرج إلى بيت المقدس، لقيه الراهب، وهو شيخ كبير، بكتابه وذكّره الأمر. فقال عمر: هذا كتبته في الجاهلية، وقد أتى الله بالإسلام.
(١) في تاريخ دمشق: فقمت بالمجرفة فضربت بها هامته، فإذا دماغه قد انتشر، ثم واريته تحت التراب .. إلخ