للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتشعّث وجه الجدار الذي للمشهد المعروف بأبي بكر وتعلت شرر النار حتى وصلت إلى دائر المنارة الشرقيّة وشرعوا في إصلاح ما وهي من ذلك، وجدوا أعاليها متداعية، وحجارتها مفخرة مفطرة. فوقف عليها الحكام وقامت البينة بالضرورة الداعية إلى نقض المنارة وتجديد بنائها. فنقضت جدرها الأربعة إلى حدّ أوتار الرواق القبليّ، ونقض الجدار القبليّ والجدار الشرقيّ إلى الأرض، وحفر ما بين الجدران في وسط المنارة عدّة قامات. وبني ذلك لبنة واحدة، وبنيت المنارة بنيانا جليلا لم يبن من زمن الوليد أجلّ منه ولا أوثق.

وقال الفاضل صلاح الدين أبو الصفاء الصفديّ (١) من مقامة أنشأها في الحريق المذكور، من فصل يتعلق بالجامع:

فسألت الخبر، ممن غبر (٢)، فقال: إن الحريق وقع قريبا من الجامع، وانظر إلى شبح (٣) الجوّ كيف انتشرت فيه عقائق اللّهب اللامع! فبادرت إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم، والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب [١٤٩] الشحم، ورأيت النار، وقد نشرت في حداد الظلام معصفرات ذوائبها (٤)، وصعدّت إلى السماء عذبات ذوائبها:


(١) هو خليل أيبك الصفدي، الأديب والمؤرخ المشهور، مؤلف «الوافي بالوفيات» و «أعيان العصر» وغيرهما، المتوفى سنة ٧٦٤ هـ. ستأتي ترجمته في السفر الثاني عشر من مسالك الأبصار: (كتّاب الإنشاء ممن كان في خدمة الخلفاء والملوك في الجانب الشرقي).
وللصفدي رسالة في وصف حريق جامع دمشق سنة ٧٤٠ هـ سماها: «رشف الرحيق في وصف الحريق» أثبتها ابن فضل الله العمري في ترجمة الصفدي في المسالك ١٢/ ٣٧٥ - ٣٨٢ (مخطوطة أيا صوفيا) وستكون الإشارة إليها في الحواشي التالية باسم (الرسالة).
(٢) في الرسالة: عبر (بالعين المهملة).
(٣) في الرسالة: نسج.
(٤) في الرسالة: عصائبها.

<<  <  ج: ص:  >  >>