﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ فقال بعضهم: تأويله «إن أول بيت وضع للناس يعبد الله فيه مباركا وهدى للعالمين للّذي ببكّة». قالوا: وليس هو أول بيت وضع في الأرض. لأنه قد كان قبله بيوت كثيرة. ثم أسند هذا القول عن عليّ بن أبي طالب والحسن ومطر وسعيد (وأظنه ابن جبير) ثم قال (١): وقال آخرون بل هو أول بيت وضع للناس. واختلف هؤلاء في وصفة وضعه أول، فقال بعضهم:
خلقه قبل الأرض، ثم دحيت الأرض من تحته. وأسند هذا عن عبد الله بن عمرو ابن العاص، قال: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان عرشه على الماء على زبدة بيضاء، فدحيت الأرض من تحته. ونحوه عن مجاهد وقتادة والسّدّيّ.
وقال آخرون: موضع الكعبة موضع أول بيت وضعه الله في الأرض. وأسند عن قتادة، قال: ذكر لنا أن البيت هبط مع آدم، وحين أهبط قال الله: أهبط معك بيتي يطاف به كما يطاف حول عرشي، فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين. حتى إذا كان زمن الطوفان، رفعه الله وطهّره من أن يصيبه عقوبة أهل الأرض، فصار معمورا في السماء. ثم إن إبراهيم تتبع منه أثرا بعد ذلك، فبناه على أساس قديم كان قبله». وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني للبيت الذي ببكّة. قال الزمخشريّ (٢): «وهو علم للبلد الحرام. ومكّة وبكّة لغتان، وقيل:
مكّة البلد، وبكّة موضع المسجد، وقيل: بكّة موضع البيت، ومكّة ما حوله، وقيل: بكّة البيت والمسجد، ومكّة الحرم كلّه».
وقال عطاء بن أبي رباح: وجه آدم إلى بكّة حين استوحش، فشكى ذلك إلى الله ﷿ في دعائه، فلما انتهى إلى بكّة، أنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت
(١) ما يزال النقل عن تفسير الطبري ٤/ ٦ - ٧. (٢) الزمخشري: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، صححه ورتبه مصطفى حسين أحمد (تصوير: دار الكتاب العربي ١٤٠٦ هـ) ١/ ٣٨٧.