للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كذلك نَحْن نعلم أن الصلاة ثوابها يزداد وينقص بسبب الخشوع؛ ولذلك ممن أثنى اللَّه سبحانه وتعالى عليهم: (المؤمنون)، وأثنى على الخاشعين في صلاتهم، يقول سبحانه وتعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)} [المؤمنون: ١، ٢] إلى أن قال: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)} [المؤمنون: ١٠ - ١١].

إذًا، كُلَّما خشعَ قلب الإنسان، خشعت جوارحه، وَسَكنت وازداد ثوابه، وَكلَّما ضعف وقلَّ خشوعه، سَيْطر عليه الشيطان، وبدأ يكثر الحركةَ والتقلبَ، وانصرف ذهنه، وَخَرج إلى أمور الدنيا، وبدأ يبيع ويشتري ويُسَافر، وينزل، وربما يُخَاصم، وربما يدرس قَضَايا طويلةً، وربما يدخله الشَّيطان في قضايا تعقَّدت عليه قبل الصلاة، فتدخل عليه الأفكار، فيشتغل فيها، فلَوْ سألته: ماذا قرَأ الإمام؟ يَقُولُ: لا أدري، ماذا فَعَل الإمام؟ يَقُول: لا أدري، أي: يبقى صورة دون أن يخضع قلبه لذلك العلم.

ولذلك، لما رأى الصحابي عمر -رضي اللَّه عنه- ذلك الرجل الذي يُكْثر الحركة قال: "لَوْ خَضَع قلبُهُ، لَخَضعت جوارحُهُ" (١).

فَنَتبيَّن من هذا أيضًا أهميَّة المحافظة على حُرْمة المسلم، وعَدَم المرور بينه وبين سترته، وَإِنْ لم تكن له سترةٌ؛ فَلْيُحَاول المسلم ألَّا يمرَّ بين يديه، كَذَلك ينبغي للمصلي أن يبحث عن مكانٍ يجد فيه ما يستره عن مرور الناس.

* قوله: (وإنَّمَا اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلَى كَرَاهِيَةِ المُرُورِ بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي، لِمَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ فِي ذَلِكَ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إذا صَلَّى أحدُكُم إلى شيءٍ يستُرُهُ، فأرادَ أحَدٌ أنْ يمرَّ بين يديْهِ، فليدفَعْهُ، فَإنْ أبَى فَليُقاتِلْهُ، فإنَّما هو شَيْطانٌ").


(١) المعروف أنَّه من قول سعيد بن المسيب، وأَخْرَجه ابن أبي شيبة (٢/ ٨٦)، وروي مرفوعًا. وقال الأَلْبَانيُّ في "الإرواء" (٣٧٣): "لا يصح لا مرفوعًا، ولا موقوفًا، والمرفوع أشد ضعفًا، بل هو موضوع".

<<  <  ج: ص:  >  >>