للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأمر المستحب قد يترتب عليه تنفير الناس وإيقاع الخلاف بينهم، والأَوْلى في تلك الحالة أن يترك العمل بالمستحب، كما ثبت في الحديث الصحيح أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة - رضي الله عنها -: " لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لنقضت الكعبة ولأعدتها على قواعد إبراهيم " (١)؛ فقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرغب في هدم الكعبة وإعادة بناءها كما كانت على قواعد الخليل إبراهيم عليه السلام، لكن الذي منعه من ذلك هو أن العرب كانوا قريبي عهد بكفر فخشي أن يدب الخلاف بينهم وتقع بينهم الفرقة، فترك - صلى الله عليه وسلم - ذلك الأمر المستحب الذي كان يرغب فيه خشية أن يترتب على ذلك مفسدة تنفير الناس وإيقاع الخلاف بينهم.

وكما ورد أيضًا: أن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنكر على عثمان - رضي الله عنه - إتمام الصلاة في السفر، فقصر الصلاة في السفر رخصة من الله سبحانه وتعالى كما في قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: ١٠١]؛ فالآية وإن كانت نزلت في صلاة الخوف لكنها نعمة من الله وهدية منحها لعباده فأبقاها.

ولذلك لما أُشكل الأمر على يعلى بن أمية وذهب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يسأله عن ذلك قال: أليس قد أمِنَ الناس؟ فقال عمر: - رضي الله عنه - عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " (٢).

وقد أنكر عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - على عثمان - رضي الله عنه - أنه أتم الصلاة، وعثمان - رضي الله عنه - لم يفعل منكَرًا لأنه أخذ بالإتمام وكلاهما جائز، لكن أنكر عليه أنه لم يأخذ بالرخصة - وهي القصر - ثم قال لما سُئل عن ذلك:


(١) أخرج البخاري (٤٤٨٤)، ومسلم (١٣٣٣/ ٣٩٩)، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم " قالت: فقلت: يا رسول الله، أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت ".
(٢) أخرجه مسلم (٦٨٦/ ٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>