للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أيَّامًا أُخَر لم أذُقْ فيها شيئًا، فسقطتُ علَى وجهِي وغُشِيَ عليَّ وغلبَ عليَّ من القَملِ شيءٌ ما رأيتُ مثلَهُ ولا سمِعتُ به، فبينَا أنا كذلِكَ إذ مرَّ بِي ركبٌ فرَأَونِي علَى تلكَ الحالِ، فنزلَ أحدُهُم عن رَاحِلَتِهِ فحلَقَ رأسِي ولحِيَتي، وشقَّ ثوبِي وترَكَنِي في الرَّمضَاء وسارَ، فمرَّ بِي ركبٌ آخَر، فحملُونِي إلى حيِّهِم وأنا مغلُوبٌ، فطرحُرنِي ناحيةً، فجاءتنِي امرأة فَحَلبَت على رأسِي، وصبَّت اللَّبنَ فِي حلقِي، ففتَحتُ عينِي قليلًا وقلت لهُم: أقربُ المواضِعِ منكم أين؟ قالُوا: جبل الشراة، فحملُونِي إلى الشراة (١).

قال المصنف قلت: يُحكَى أنَّ رجُلًا من المجَانِين أنحلَّ مِن السِّلسِلة، فأخذَ سكِّينًا وجعلَ يشرحُ لحمَ نفسهِ ويقول: أنا ما رأيتُ مثلَ هذا الجنونِ (٢)، وإلَّا فانظُروا إلى حالِ هذا المسكِينِ وما فعلَ بنفسِهِ، ثمَّ يعتقدُ هذا قُربةً! نسألُ اللهَ العافِية.

• أخبرنا محمدُ بن ناصر، قال: أنبأنا أحمدُ بن عليِّ بن خَلَفٍ، قال: أنا أبو عبدِ الرَّحمن السُّلَمِي، قال: سمعتُ أبا بَكرٍ الرَّازِيَّ يقول: سمعتُ أبا الحسَينِ الزّنجاني يقول: سمعتُ إبراهيمَ الخوَّاص يقول: رأيتُ شيخًا مِن أهل المعرِفةِ عرَّج بعدَ سبعةَ عشرَ يومًا على سببٍ في البريةِ، فنهاهُ شيخٌ كان مَعَهُ، فأبَى أن يَقبَلَ، فسقَطَ ولم يرتفِع عن حُدُودِ الأسبِابِ (٣).

قال المصنِّفُ قلت: هذا قد أرادَ منه أن يصبِر عن القوتِ أكثرَ مِن هَذا، وليسَ الصَّبر إلى هذا الحدِّ -وإنْ أُطيقَ- بِفضِيلةٍ.


(١) أخرجه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ١٤/ ٤١٢ ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٦٦/ ١١٤ وذكرها في مختصر تاريخ دمشق ٢٨/ ٢١٦.
(٢) جاء في بعض نسخ دار الكتب المصرية: [لو يُحكَى أنَّ رجُلًا من المجَانِين أنحلَّ مِن السِّلسِلة، فأخذَ سكِّينًا وجعلَ يشرحُ لحمَ نفسهِ ويقول: أنا ما رأيتُ مثلَ هذا الجنونِ، لَصُدِّقَ على هذا].
(٣) أخرجه السلمي في طبقات الصوفية ص ٢٨٦.

<<  <   >  >>