اعلم أن الآدمي لما خلق ركب فيه الهوى والشهوة ليجتلب بذلك ما ينفعه، ووضع فيه الغضب ليدفع به ما يؤذيه، وأُعطي العقل كالمؤدب يأمره بالعدل فيما يجتلب ويجتنب، وخلق الشيطان محرضًا له على الإسراف في اجتلابه واجتنابه، فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم، وقد بذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم.
وينبغي أن يُعْلَمَ أن إبليس شغله التلبيس أول ما التبس الأمر عليه، فأعرض عن النص الصريح على السجود (١)، وأخذ يفاضل بين الأصول فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ
(١) قال المصنف في التفسير (٣/ ١٧٤): (قال العلماء: وقع الخطأ من إبليس حين قاس مع وجود النص). وانظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ١٠٠٢ - ١٠٠٨) فقد بيّن فيه فساد الدليل العقلي الذي عارض به إبليس أمر ربه، ثم أبطله ﵀ من أحد عشر وجهًا.