المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ التَّدْلِيسِ فِي الإِسْنَادِ:
الحديثُ المُدلَّسُ مِنَ الأهميَّةِ والخطورةِ بمكانٍ، لما فيهِ مِنَ الغموضِ والخفاءِ، ولأجلِ ذلكَ فقدْ سلكَ المحدِّثونَ شتَّى السُّبلِ في بيانِهِ وبيانِ الرُّواةِ الموصومينَ بهِ، حيثُ قامُوا بتعيينِ الرُّواةِ المدلِّسينَ، أعيانِهِمْ، وأماكنِهِمْ، وطبقاتِهِمْ:
فقامُوا أوَّلاً بحصرِ أماكنِهِمْ منَ البلدانِ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «أَهْلُ الحِجَازِ، وَالحَرَمَينِ، ومِصْرَ، وَالعَوَالِي، وخُرَاسَانَ، وَالجِبَالِ، وَأَصْبَهَانَ، وَبِلَادِ فَارِسٍ، وَخَوزَسْتَانَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدَاً مِنْ أَئِمَّتِهِمْ دَلَّسُوا. وَأَكْثَرُ المُحَدِّثِينَ تَدْلِيسَاً: أَهْلُ الكُوفَةِ، وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ بَغْدَادَ فَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا التَّدْلِيسُ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ البَاغَنْدِيُّ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ التَّدْلِيسَ بِهَا، وَمَنْ دَلَّسَ مِنْ أَهْلِهَا إِنَّمَا تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ» (١). وقالَ الشَّافعيُّ «ت ٢٠٤ هـ» نافيَاً وجودَ التَّدليسِ في أهلِ بلدِهِ «مكَّةَ المكرَّمَةَ»: «لَمْ يُعْرَفِ التَّدْلِيسُ بِبَلَدِنَا فِيمَنْ مَضَى، وَلَا مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَّا حَدِيثَاً» (٢).
وهذهِ مرحلةٌ مُجْمِلَةٌ لأماكنِ هؤلاءِ الرُّواةِ، وتأتي بعدهَا المرحلةُ المُفصِّلةُ ببيانِ أسمائِهِمْ وَطبقاتِهِمْ، ولهذَا الغرضِ ألَّفَ المحدِّثونَ مصنَّفاتٍ كثيرةً في ذلكَ، مِنْ أشهرِهَا:
(١) معرفة علوم الحديث ص ١١١.(٢) الرِّسالة ص ٣٧٨.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute