(فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ. أخرجه أحمد، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ). وقدْ أخرجَ أبو داودَ (١) من حديثِ أمّ عُمَارةَ الأنصاريةِ بإسناد حسنٍ: (أنه - صلى الله عليه وسلم - توضأَ بإناءٍ فيه قَدْرُ ثلثيْ مُدٍّ)، ورواه البيهقيُّ (٢) من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ. فَثُلَثَا المُدِّ هو أقلُّ ما رويَ أنهُ توضأ به - صلى الله عليه وسلم -. وأما حديثُ أنه توضأَ بثلثِ مدِّ فلا أصل له. وقد صحَّح أبو زرعةَ منْ حديثِ عائشة (٣) وجابرٍ (٤): (أنهُ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يغتسلُ بالصاعِ ويتوضأَ بالمدِّ).
وأخرج مسلم (٥) نحوه من حديث سَفيْنَةَ، وأبي داودَ (٦) منْ حديثِ أنسٍ: (توضأ منْ إناءٍ يسعُ رِطْلَينِ)، والترمذيُّ (٧) بلفظِ: (يُجْزِئُ في الوُضُوءِ رِطْلانِ)؛ وهي كلُّها قاضيةٌ بالتخفيفِ في ماءِ الوُضُوءِ، وقدْ عُلِمَ نهيهُ - صلى الله عليه وسلم - عن الإسرافِ في الماءِ، وإخبارهُ أنهُ سيأتِي قومٌ يعتدونَ في الوضوءِ، فمنْ جاوزَ ما قال الشارعُ إنهُ يجزئُ، فقدْ أسرفَ فيحرُمُ.
وقول منْ قالَ: إنَّ هذا تقريبٌ لا تحديدٌ، ما هو ببعيدٍ، لكنَّ الأحسنَ بالمتشرعِ محاكاةُ أخلاقِهِ - صلى الله عليه وسلم - والاقتداءُ به في كميةِ ذلكَ.
وفيه دليلٌ على [مشروعية](٨) الدلكِ لأعضاءِ الوضُوءِ. وفيه خلافٌ: فمنْ
(١) في (السنن) (١/ ٧٢) رقم (٩٤). قلت: وأخرجه النسائي (١/ ٥٨) رقم (٧٤)، وهو حديث صحيح. (٢) في (السنن الكبرى) (١/ ١٩٦). (٣) أخرجه أبو داود في (السنن) (١/ ٧١) رقم (٩٢)، وهو حديث حسن. (٤) أخرجه أبو داود في (السنن) (١/ ٧١) رقم (٩٣)، وهو حديث حسن. (٥) في (صحيحه) (١/ ٢٥٨) رقم (٥٢/ ٣٢٦). قلت: وأخرجه الترمذي (١/ ٨٣) رقم (٥٦) وقال: حديث حسن صحيح. (٦) في (السنن) (١/ ٧٢) رقم (٩٥). قلت: وأخرجه البخاري (١/ ٣٠٤) رقم (٢٠١)، ومسلم (١/ ٢٥٨) رقمِ (٥١/ ٣٢٥)، والنسائي (١/ ٥٧) رقم (٧٣) بلفظ: (كان رسول اللَّهِ يتوضأ بمَكُّوكٍ وَيغْتَسِلُ بِخمْسِ مَكَاكِيِّ). • المكوك: هو المدّ، وقيل: الصاع. والأول أشبه؛ لأَنّه جاء في حديث آخر مفسرًا بالمدِّ. (٧) في (السنن) (٢/ ٥٠٧) رقم (٦٠٩) وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك على هذا اللفظ. وهو حديث صحيح. (٨) في النسخة (أ): (شرعية).