﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ يعني: أبا سفيانَ وأصحابَهُ، فالمعرفةُ وإن أعيدَتْ معرفةً فليسَ الثاني عينَ الأولِ، ولا اللامُ العهديةُ (١) إشارةٌ إلى ما ذكِرَ صريحًا، بل إلى ما يعرِفُه المخاطبونَ.
﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ روي أن أبا سفيان نادى عندَ انصرافِه من أحدٍ: يا. محمَّدُ! موعِدنا موسمُ بدرٍ القابلُ إن شئتَ. فقال ﵇:"إن شاءَ اللّهُ" فلما كانَ القابلُ خرَجَ في أهل مكَّةَ حتى نزلَ مرَّ الظهرانِ فأنزَلَ اللهُ الرعبَ في قلبِهِ، وبدا له أن يرجِعَ، فمرَّ به ركبٌ من عبدِ قيسٍ يريدونَ المدينةَ للميرةِ، فشرطَ لهم حملَ بعيرٍ من زبيبٍ إن ثبَّطوا المسلمينَ.
وقيلَ: لقيَ نُعَيمًا وقد قدِمَ معتمرًا فسألَهُ ذلك والتزمَ له عشرًا من الإبلِ، فخرجَ نُعَيمُ فوجدَ المسلمينَ يتجهَّزونَ، فقالَ لهم: أتوكُم في ديارِكم فلم يفلِت أحدٌ منكُم إلا شريدٌ، أفتريدون أن تخرُجوا وقد جمعُوا لكُم؟ ففتَروا، فقالَ ﵇:"والذي نفسِي بيدِه لأخرُجنَّ ولو لم يخرُج معي أحدٌ"، فخرَجَ في سبعين راكبًا وهُم يقولونَ: حسبُنا اللّهُ ونعمَ الوكيلُ (٢).
﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾: الضميرُ المستكنُّ للمقولِ؛ أي: فزادَهم ذلك الكلامُ، أو
(١) في (ك): "للعهدية". (٢) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ١٠١)، و"تفسير الطبري" (٦/ ٢٤٦) وما بعدها، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٠٨)، و"دلائل النبوة" للبيهقي (٣/ ٣١٤)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٩)، وعنه نقل المؤلف. وذكر نعيم بن مسعود في هذه القصة لم يثبت، وإنما انحصرت تسميته نعيمًا في مقاتل وهو متروك. انظر: "موسوعة الحافظ ابن حجر الحديثية" (٤/ ٢١٤)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي" (٣/ ٨٢)، و"روح المعاني" (٥/ ١٣٨).