﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾: يسرُّون بالبشارةِ ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾؛ أي: بإخوانهم المؤمنين الذين لم يُقتلُوا فيلحقُوا بهم ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾؛ أي: الذين مِن خلفِهم زمانًا أو رتبةً.
﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ﴾.
والمعنى: أنهم يستبشِرون بما تبيَّنَ لهم مِن حالِ مَن تركوا خلفَهم، وهو أنهم سيلحَقون بهم في أمنٍ وفرحٍ، ورَغَدِ عيشٍ، وفيهِ تحريضٌ لمن بعدَهم على الطاعةِ والجهادِ، والرغبةِ في نيل درجةِ الشهادةِ، وبشارةٌ للمؤمنين بالفوزِ وحسنِ المآبِ، وإحمادٌ لمن يرى نفسَهُ بخيرٍ فيتمنَّى مثلَهُ لإخوانِهِ، ويستبشرُ بهِ لهم.
والآيةُ تدلُّ على أنَّ روحَ الإنسان جسمٌ لطيفٌ لا يفنى بخرابِ البدنِ (١)، ولا يتوقَّفُ عليه إدراكُه وتألُّمه والتذاذُه، ويؤيدُ ذلك قولُه تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [غافر: ٤٦] وما روى ابن عباسٍ ﵄ أنهُ ﵇ قال: "أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تَرِدُ أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ معلَّقةٍ في ظل العرش"(٢).
* * *
(١) في هامش (د) و (ف): "عبارة القاضي: على أن الإنسان غير الهيكل … إلخ، وفيها إخراج البدن عن الإنسان. منه". وزاد في (د): "ولا وجه ". قلت: وعبارة القاضي في "تفسيره" (٢/ ٤٨): (الآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس بل هو جوهر مدرك بذاته لا يفنى بخراب البدن … ) إلى آخر ما ذكره المؤلف. (٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٨). ورواه أبو داود (٢٥٢٠) بلفظ: "لما أُصيب إخوانُكم بأحُدٍ جعلَ اللهُ أرواحَهم في جَوْفِ طَيرٍ … ". وقد تقدم قريبًا. وله شاهد من حديث ابن مسعود عند مسلم (١٨٨٧). وجاء في هامش (د) و (ف): "ومن أنكر ذلك وأول النصوص بما أول فقد ضل وأضل. منه".