المؤمنون، وبينَ أن يقاتلوا دفعًا عن (١) أنفسِهم وأهلِهم وأموالِهم إن لم يكُن لهم همٌّ في اللهِ وفي الآخرةِ.
﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ أبوا القتلَ (٢)، وجحدُوا القدرةَ عليه رأسًا لنفاقِهم، على ما رويَ: أنَّ عبدَ اللّه بن أبيٍّ انخزَلَ مع حلفائه، فقيلَ لهُ فقالَ ذلك (٣).
ويجوزُ أن يكونَ المعنى: لو نعلم ما يصِحُّ أن يُسمَّى قتالًا لاتَّبعناكم فيهِ، لكن ما أنتم عليه ليس بقتالٍ، بل إلقاءٌ بالنفس إلى التهلكةِ، يريدُ تخطئةَ رأيهم؛ لأنَّ رأيَهُ كان في الإقامة بالمدينةِ.
أو ادفعوا العدوَّ بتكثيركم سوادَ المجاهدين وإن لم تقاتلُوا؛ لأن كثرةَ السوادِ مما يردع العدوَّ ويكسِرُ قلبَه.
بقي هاهنا شيءٌ؛ وهو أنَّ مُقتضى تركيبِ الكلام على الوجهِ الأولِ أن يُعطَفَ: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا﴾ على ﴿نَافَقُوا﴾ بالفاء، وإنما أُخرِجَ مخرجَ الاستئناف على أنهُ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ (٤) اقتضاه دعاءُ المؤمنين إياهُم إلى القتالِ، فأخَّرَه عن الدعاءِ؛ كأنه قيلَ: فماذا قالوا؟ فقيلَ: قالوا: لو نعلَمُ، لينبِّهَ على ظهورِ أمارة النفاقِ منهم لتثبُّطِهم وتعلُّلِهم بعد الدعاءِ الذي كان يجِبُ عليهم إجابته.
ويجوزُ أن يقتصِرَ الصلةُ على ﴿نَافَقُوا﴾، ويكونَ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ كلامًا مبتدأَ عطفًا على جملةِ:(وما أصابكم فبإذن اللّه).
(١) في (ف) و (ك): "من". (٢) قوله: "القتل" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (القتال) بدلالة التنزيل والسياق وكلام المفسرين كالزمخشري والبيضاوي. (٣) رواه الطبري في "التفسير" (٦/ ٢٢٢) من طريق ابن إسحاقَ عن جمع من مشايخه منهم الزهري. (٤) "مقدر" من (ف).