للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وبلدةٍ مغبرَّةٍ أرجاؤها … كأنَّ لون أرضها سماؤها (١)

بالَغَ في وصف السماء بالاغْبِرار حتى شبَّه الأرض بها، وفي التعبير عن اعتقادهم هذا بالقول ما لا يخفى من المبالغة في أنه لا حقيقة له أصلاً.

ثم أنكر تسويتَهم بينهما (٢) بقوله:

﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وفيه دلالة على أنَّ القياس يهدمُه النصُّ، حيث نقل قياسهم وأبطله بمجرَّد القول المذكور من غير تعرُّضٍ لفساد القياس من حيث إن الفضل في الربا محقَّق وفي البيع متوهَّم.

وأما ما قيل: هو إبطال للقياس لمعارضته النصَّ، فيَرِدُ عليه أنهم قاسوا قبل ورود النصِّ الفارق بينهما، فلا معارضةَ وقتئذٍ.

﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ فمَن بلَغه وعظٌ من اللّه تعالى وزجرٌ بالنهي عن الربا، وفي عبارة الربِّ إيماءٌ إلى أنه تعالى يُربِّي عبدَه بفضله بلا توقّفٍ على كسبه، كيف وقد ربَّاه وهو جنين؟ فحقُّه أن لا يتجاوز في طلب المكسبِ عن حدِّ الرُّخصة.

﴿فَانْتَهَى﴾ فاتَّعَظ به وتَبعَ النَّهي.

﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾؛ أي: فلا يؤاخَذُ بما مضى منه، وله ما أَخَذ لأنَّه قَبْل نزولِ التحريم (٣).


(١) الرجز لرؤبة، وهو في ديوانه (ص: ٣)، و"مغني اللبيب" (ص: ٩١٢)، و"الإيضاح في علوم البلاغة" (ص: ٧٨)، و"روح المعاني" (٣/ ٤٧٨). ورواية الديوان: (وبلد عامية أعماؤه)، وفي باقي المصادر:
ومهمهٍ مغبرَّة أرجاؤه … كأن لون أرضه سماؤه
(٢) "بينهما"من (م).
(٣) في هامش (د) و (ف): "من هنا ظهر أنه لا وهن في قياسهم قبل ورود النص من جهة المعارضة له. منه".