﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ يتعلق بـ ﴿يَقُومُ﴾، أو ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾، والمسُّ: الجنون، يقال: مُسَّ - على ما لم يُسمَّ فاعلُه - فهو ممسوسٌ، كما يقال: جُن فهو مجنون.
والجنون قد يكون بضربِ الشياطين من الجن، ولذلك يُسمَّى (١) مجنوناً، وهو بتسليط اللّه تعالى إياهم على الناس كما يسلِّط عليهم بعضَ الدوابِّ والسباع، وله أن يفعل في مُلكه ما يشاء.
أي: لا يقوم آكل الربا عن قبره في يوم القيامة إلا كالذي ضربه الجنُّ فخبله فصار كالمصروع، فهو يقوم ويسقط ليس كسائر الناس؛ لأنهم يخرجون من الأجداث سراعا، وهذه عقوبة لهم بها يُعرفون يومئذ، وقد أثقل (٢) بطونهم ما (٣) أكلوه من الربا.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾؛ أي: ذلك العقاب بسببِ أنهم نظَموا الربا والبيعَ في سلكٍ واحد، وقاسوا أحدهما على الآخر، يعني: أن البيع يكون مثلَ الربا في اشتماله الفضلَ، ولو كان ذلك سبباً للحرمة لحرُم البيع، لكنه حلال فثبت أنه ليس بسبب للحرمة، فالربا ليس بحرام وشبهتُهم (٤) أن بيع السَّلَم وغيره قد يكون المشترَى فيه بدرهم يساوي درهمين، فيكون أزكى من الربا.
ومَن لم يتنبَّه لِمَا قرَّرناه زعم أنهم بالغوا في وصف اعتقادهم حلَّ الربا حتى جعلوه أصلاً في القياس، وشبَّهوا البيع به - مع أن الكلام في الربا، والبيعُ أصل في الحل - على طريقة قول الشاعر:
(١) في (د): "سمي". (٢) في النسخ عدا (م): "ثقل"، والمثبت من (م). (٣) في (ف): "بما". (٤) في (ك): "أو شبهتهم".