﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: ذهاباً فيها للكسبِ، تقول: ضربتُ في الأرض ضرباً، إذا سرتَ فيها؛ أي: يكرهون المسير لأجله؛ لئلا يفوتهم صحبةُ رسول اللّه ﷺ والخروجُ في سريةٍ، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]؛ أي: يكرهون سماعه ولهم آلاتُ السماع، ولا يخفى أن هذا المعنى أبلغ في وصفهم مما قيل: لا يستطيعون لاشتغالهم بالجهاد.
وقيل: هم أهل الصُّفَّة، وكانوا نحواً من أربع مئةٍ من فقراء المهاجرين يسكنون صُفَّة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلُّم والعبادة، وأقواتُهم من فضل الأغنياء، وكانوا يخرجون في كلِّ سريَّةٍ بعثها رسول اللّه ﷺ.
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾ بحالهم ﴿أَغْنِيَاءَ﴾.
وإنما قال: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ - أي: من أجْل تعفُّفهم عن السؤال - دفعاً لاحتمالِ أن يكون حسبانُه من الأغنياء لكونه من الأغنياء.
وفي إطلاق اسم الجاهل عليه على الإطلاق ما لا يخفى من الذمِّ، وذلك الاستحقاقُ لأن الغافل عن حالهم لا يكون من أهل الصحبة والوفاق.
والتعفُّف: تفعُّلٌ من العِفَّة، يقال: عف عن الشيء، إذا أمسك عنه وتَنزَّه عن طلبه.
﴿تَعْرِفُهُمْ﴾ الخطاب لمن يستحقُّ التوصيف بعرفانهم من الأصحاب، ومَن حذا حَذْوَهم في سلوك طريق الصَّواب (١).
﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: بعلامتهم من صُفرة الوجه ورثاثةِ الحال، لا خفاءَ في أن لسان
(١) في النسخ عدا (م): "في سلوك الصواب "، والمثبت من (م). وجاء في هامش (ح) و (د) و (ف): "رد لمن قال: الخطاب لكل أحد. منه".