للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الحال أنطقُ من لسان المقال، وبيانَ الدلالة أصدقُ من بيان العبارة، فالعارفُ يُحدس من رثاثة الحال، والجاهل يستدل بعدم (١) السؤال.

ومعنى ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ نفيُ السؤال والإلحاف جميعًا، كقولهم:

ولا تَرَى الضَّبَّ بها ينجَحِرْ (٢)

أي: لا ضبَّ ولا انجِحارَ، ولا يخفى أن هذا المعنى أَدخَلُ في التعفُّف وفي أن يُحسَبوا أغنياء، فيكونُ أنسبَ للمقام، وأجلبَ لمزيدِ حُسْنٍ في الكلام، كيف وفي هذا النوع من التركيب دقيقةٌ أنيقة (٣)؟ وهي أنه لمَّا جعل نفي الأول تمهيداً لنفي الثاني جعل الأول مسلَّماً لا نزاع فيه، إذ من حق الدليل أن يكون أوضح من المدلول، ولهذا قال ابن عباس في تفسيره: لا يَسألون الناس إلحافاً ولا غيرَ إلحافٍ (٤).

وقيل: تُرك غيرُ الإلحاف ذكراً للإيماء إلى إطلاق السؤال عند الحاجة، ورفعِ الإثم عمَّن فعله مُضطرًّا (٥).

والإلحاف: لزوم السؤال، من اللِّحاف الذي يُلازم الملتحِفَ به.


(١) في (د): "بعد".
(٢) عجز بيت لعمرو بن أحمر، كما في "خزانة الأدب" للبغدادي (١٠/ ٢١٠)، وصدره:
لا تفزعُ الأرنبَ أهوالُها
(٣) في هامش (د) و (ف): "تفصيل في تفسير سورة المؤمن من الكشاف. منه".
(٤) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ١٨١).
(٥) في هامش (د) و (ف): "أي: لأن المعنى ما ذكرنا. منه".