للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
مسار الصفحة الحالية:

ومَن قال: المزيِّن في (١) الحقيقةِ هو الله تعالى إذ ما من شيءٍ إلا وهو فاعلُه، أخطأ في المدَّعى وما أصاب في الدليل:

أمَّا الأول: فلأن التزيين صفةٌ تقوم بالشيطان والفاعلُ الحقيقي لصفةٍ ما تقومُ به تلك الصفة، وليت شعري ما يقول هذا القائل في الكفر والضلالة؛ فإن فاعل القيام حقيقةً هو القائم الذي يتَّصف به لا خالقه.

وأمَّا الثاني: فلأن مَبْناه عدمُ الفرق بين الفاعل النَّحوي الذي كلامنا فيه والفاعلِ الكلامي الذي بمعزلٍ عن هذا المقام (٢).

﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: يَهْزؤون من فقراء المؤمنين الذين لا حظَّ لهم في الدنيا - كابن مسعود وعمارٍ وصُهيب وغيرهم على رفضهم الدنيا وإقبالهم على الآخرة.

قال القرطبيُّ: يقال: سَخِرتُ منه وسَخِرتُ به، وضحكْتُ منه وضحِكْتُ به، وهَزِئْتُ منه وهَزِئْتُ به، كلُّ ذلك يقالُ، حكاه الأخفشُ والاسمُ: السُّخرية (٣).


(١) في (د) و (ك): (على) والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (١/ ١٣٥)، وهو صاحب هذا القول.
(٢) هذا ما تعقب به المؤلف البيضاوي، وقد رد عليه الشهاب في "الحاشية" (٢/ ٢٩٨) بقوله: وهذا كله من عدم التأمل؛ لأن الله تعالى نسب التزيين إلى نفسه في مواضع كقوله: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل: ٤] وفي مواضع إلى الشيطان كقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] وفي مواضع ذكَره غيرَ مسمًّى فاعله كما هنا، فالتزيين إن كان بمعنى إيجادها وإبداعها ذاتَ زينة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] فلا شك أن فاعله هو الله عند النحويين والمتكلمين، وإن كان بمعنى التحسين بالقول ونحوه من الوسوسة كقوله تعالى: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٣٩] فلا شك أن فاعله عندهما الشيطان … إلخ.
(٣) انظر: "تفسير القرطبي" (٣/ ٤٠٣)، و"الصحاح" (مادة: سخر)، وعنه نقل القرطبي.