للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

مع أنَّ الاستعارة أبلغُ من التشبيه (١)؛ لفَقْدِ شرطها وهو تَعذُّرُ الحقيقة (٢).

قال سهل بن سعدٍ الساعديُّ: نزلت هذه الآيةُ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فكان رجالٌ إذا أرادوا الصومَ ربط أحدُهم في رجليه الخيطَ الأبيض والخيطَ الأسود، فلا يزال يأكلُ ويشربُ حتى يَتبيَّن له منهما (٣)، فأَنزل الله بعد ذلك قولَه: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعَلِموا أنَّه إنَّما يعني بذلك الليلَ والنهارَ. وهذا حديثٌ صحيح عند أئمَّة الحديث كالبخاريِّ ومسلم (٤).

لا يقال: إنه (٥) غيرُ مقبولٍ عند أئمة البلاغة لأن الكلام المذكور بدون البيان المزكور ساقطٌ عن درجة البلاغة؛ لفَقْدِ (٦) قرينة الاستعارة على ما نبَّهتُ عليه آنفًا، وعند عامةِ الأصوليين لِمَا فيه من تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا خلاف في امتناعه عند مَن لا يجوِّز تكليفَ المحال، وإنما الخلاف في التأخير عن وقت الخطاب.

لأنَّا نقول (٧): كفى قولُه: ﴿لَكُمُ﴾ قرينةً للاستعارة، وذلك أنَّ في التخصيص المستفادِ من تقديمه دلالةً على أن التبيينَ المذكور مما يَختلفُ، فيتحقَّقُ لبعض


(١) "من التشبيه" ليس في (ف).
(٢) في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لأن المراد المعنى العام منهما. منه".
(٣) قوله: "منهما" كذا في النسخ، والذي في الصحيحين: (رؤيتهما).
(٤) رواه البخاري (١٩١٧)، ومسلم (١٠٩١).
(٥) في (د) و (ك): "إلا أنه" بدل: "لا يقال إنه".
(٦) في (م): "لفقدان".
(٧) من هنا إلى قوله: (بقوله من الفجر) سقط من (د) و (ك).