قالوا: إنَّ الشَّياطين خافوا أنْ يتزوَّجَها سليمان ﵇، فيولَدَ له منها ولدٌ يجتمع له فِطنةُ الإنسِ والجنِّ؛ لأنها كانت بنتَ جنِّيَّة، فيخرجون مِن ملْكِ سليمان إلى ملْكٍ هو أشدُّ وأفظع، فقالوا: إنَّ في عقلِها شيئًا، وهي شَعْراءُ السَّاقين، ورجلُها كحافر الحمار، فاختَبَر عقلَها بتنكيرِ العرشِ، وتعرَّف ساقيها ورجليها باتِّخاذ الصَّرْح على ما يأتي بيانُه، فالمرادُ مِن كونِها مِن الذين لا يهتدون: كونُها مِن الطَّائفةِ الحمقى، ومن هاهنا تبيَّن وجهُ الإطنابِ، واللّه أعلم بالصَّواب.
﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ (ها) للتَّنبيه، والكاف للتَّشبيه، و (ذا) اسم الإشارة (١)، ولم يقل: أهذا عرشك؟ ولكنْ: أمثلُ هذا عرشُكِ؟ لئلا يكون تلقينًا (٢).
﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فأجابَتْ (٣) أحسنَ جوابٍ؛ فلم (٤) تقل: (هو، هو)، ولا:(ليس هو)، وذلك مِن رَجاحة عقلِها، حيث لم تقطَع في المحتمِلِ للأمرَيْنِ، أو لَمَّا شبَّهوا عليها بقولهم: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ شبَّهَتْ عليهم بقولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، مع أنَّها علمَتْ عرشها.
﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ مِن تمامِ كلامِها؛ أي: وأوتينا العلم بقدرة الله وبصحَّة
(١) في (ك): "إشارة". (٢) في (ف): "ليكون تلقيا". وفي (م): "لئلا يكون تلقيا". (٣) في (م): "فأجابته ". (٤) في (ك) و (م): "ولم ".