مع زيادة الإدماج المذكور تحقيقًا للعلم، والثاني مقرِّر لما ضمِّن من الدلالة على القدرة في قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ مع رعاية نمط التعديد على أسلوب: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ مما يبهر الألباب، ويُظهر للمتأمل في وجه الإعجاز التنزيلي (١) العجَب العُجاب.
وأما الثاني: فما فيه من الدلالة على أنهم مع وضوح الآيات وتلاوتها عليهم، والتنبيهِ البالغ ترغيبًا وترهيبًا، لم ينالوا بها نالة (٢)، فكأنه يشكو جنايتهم إلى مَن يستحق الخطاب، أو كمَن يدمدم في نفسه: إني (٣) أصنع بهم وأفعل كيت وكيت جزاء ما ارتكبوه؛ ليُريَ (٤) ما يريد أن يوقعه بهم.
﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾: قويُّ المكر بأعدائه، يأتيهم بالهلاك من حيث لا يحتسبون.
المُحال: المماحَلة، وهي شدة المماكَرة والمكايَدة، ومنه تمحَّل لكذا: إذا تكلَّف له استعمالَ الحيلة واجتهد فيه.
وقرئ بفتح الميم (٥) على أنه مَفْعَلٌ (٦) مِن حال يَحُول مَحالًا: إذا احتال، ومنه: أَحْوَلُ من ذئب؛ أي: أشد حيلة منه، وجاز أن يكون (شديد المَحال) على هذه القراءة
(١) في (م) و (ك): "التنزيل"، والمثبت من (ف) و"روح المعاني". (٢) كذا في النسخ، والذي في "روح المعاني": (لم يبالوا بها بالة). (٣) تحرفت في النسخ إلى: "أي"، والتصويب من "روح المعاني". (٤) في (ف): "سوى"، وفي (ك): "لسوى"، وفي (م): "يسوي". والمثبت من "روح المعاني". (٥) نسبت للأعرج. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٦)، و"المحتسب" (١/ ٣٥٦)، و"الكشاف" (٢/ ٥٢٠). (٦) تحرفت في النسخ إلى: "مفعول"، والتصويب من "الكشاف" (٢/ ٥٢٠)، و"روح المعاني" (١٣/ ٨٨).