للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

المقدَّر أظهرَ، إلا أنه فصَل بين (١) الهمَّين بذكر كلٍّ على حِيَاله دلالةً على افتراقهما حكمًا ثم مدحًا وذمًّا، فالجمع بينهما إبطال لِمَا هو المقصود من الكلام، وهو التنبيه على أنهما وإنْ كانا مشترِكين في الميل المخصوص، إلا أن أحدهما ميلٌ عن شهوةٍ تبعها العقل فازدادت (٢) تسلُّطًا وصارت عزيمةً قاهرة، والثاني ميل عن شهوة قاصرة ردَعها العقل فاضمحلَّت في الآخرة، وإذا كانا كذلك فاللفُّ بينهما عن طباقِ المقام بمراحل.

ولا خلاف في أنَّ همَّها كانت معصيةً لأنها كانت مُصرَّة، وأما همُّه فمن قَبيل ما يَخطر في النفس ولا يَثبت في الصدر، وهو الذي رفع الله تعالى فيه المؤاخَذة عن الخلق، إذ لا قدرة للمكلف على دفعه فلا زلَّةَ فيه، مع أن الزلةَ للأنبياء حُكمًا زيادةُ الوَجَل، وشدةُ الحياء بالخجل، والتخلِّي عن عُجب العمل، والتلذُّذُ بنعمة العفو بعد الأمل، وكونُهم أئمةٌ في الرجاء لأهل الزَّلل.

﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ﴿أَنْ رَأَى﴾ في موضع رفع، والجواب محذوف لعلم السامع به؛ أي لولا رؤيةُ برهان ربه لأمضَى ما همَّ به، ولا يجوز أن يجعل ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ جوابَ ﴿لَوْلَا﴾، فإنها في حكم أدوات الشرط، فلا يتقدم عليها جوابها.

وظاهره يدل على أنه شاهد أمرًا صرفه عما قصده، حتى قيل: إنه رأى جبريل ، وقيل: تمثَّل له يعقوب عاضًّا على أنامله، وقيل نحوُ ذلك، وهذا الذي ذكروه غيرُ صحيح؛ لأن ذلك يقتضي الإلجاءَ وزوال التكليف، ولو كان ذلك لمَا استَحق يوسف مدحًا وثوابًا


(١) في (ف) و (ك): "إلا أنه بيَّن".
(٢) في (ك): "فازدادته".