التحقيق فيما جرى على أصنامهم، فلما عادوا إلى منازلهم وشاهدوا ما أصيب به آلهتهم ﴿قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين﴾ ﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾ ﴿قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون﴾ (١)، فلما حضر مجلسهم أخذوا يقررونه بما صنع بآلهتهم، قالوا من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ فأجابهم بنسبة ما حدث إلى من لا يتأتى منه، نسبه إلى كبير التماثيل وهو - كما يعلم ويعلمون - جماد لا حراك به، ذلك ليرشدهم إلى مكان الخطأ في عكوفهم على التماثيل، عبادة لها وتقربا إليها، ويصرفهم عنها إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويوحي إليهم بأنه هو الذي كاد لأصنامهم وأنزل بهم ما يكرهون، وقد أكد ذلك بأمره إياهم أن يسألوا التماثيل عمن أصابهم بالتكسير والتحطيم إن كانوا يملكون جوابا ﴿قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ (٢).
وقد نجحت هذه الطريقة إلى حد ما، وأوجدت فيهم وعيا، فثابوا إلى رشدهم وما كان في أصل قرائحهم، واعترفوا بأنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بعبادتهم تماثيل لا تملك لنفسها نفعا ولا تدفع عنها بأسا، وظلموا إبراهيم ﵇ بصدهم إياه عن دعوته، وإعراضهم عما جاءهم به من الآيات البينات على التوحيد وإخلاص العبادة الله رب العالمين، لكنهم لم يلبثوا أن ركبوا رؤوسهم ونكصوا على أعقابهم وارتكسوا في حمأة الضلال والحيرة عصبية لما ورثوه عن آبائهم من الشرك والبهتان المبين، قال تعالى: ﴿فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون﴾ ﴿ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون﴾ (٣).
لقد ازداد طريق الحق وضوحا وبيانا، واستحكمت حلقات الحجة لإبراهيم على أبيه وقومه، وحق له أن يضيق ذرعا من صدودهم، وأن يتأفف ضجرا من
(١) سورة الأنبياء، الآيات: ٥٩ - ٦١. (٢) سورة الأنبياء، الآية: ٦٣. (٣) سورة الأنبياء، الآيات: ٦٤ - ٦٥.