ثالثا: روى الزركشي حكاية الإجماع على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (١).
رابعا - أن الله تعالى لم يجعل الأحكام معلقة بالأسباب، بل ربما أعرض عنها، بالكلية، وانتقل إلى بيان المهم كما في قوله تعالى:{* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ}[البقرة: ١٨٩] فإن السؤال كان عن شكل الهلال، ما باله يبدو فيطلع دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يكون كما كان (٢). فجاء الجواب على غير السبب.
وكقوله تعالى:{يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}[البقرة: ٢١٥] فجاء الجواب على خلاف السؤال الذي كان سببا في النزول، «فإن الاعتبار للفظ في كلام الشارع، واللفظ يقتضي العموم بإطلاقه فيجب إجراؤه على عمومه إذا لم يمنع عنه مانع، والسبب لا يصلح مانعا؛ لأنه لا ينافي عمومه، والمانع هو المنافي»(٣).
خامسا - احتجاج الصحابة وغيرهم من أئمة الإسلام الأعلام في جميع الأعصار والأمصار في وقائع مختلفة بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة، وهذا أمر شائع ذائع بينهم، ولم يعرف عنهم أنهم لجأوا إلى قياس أو استدلال بغير ألفاظ الآيات، فدل ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٤).