في الطواف] رجلا بين يديه شاكرية يمنعون الناس لأجله عن الطواف، ثم رأيته بعد ذلك بمدة على جسر بغداد يسأل شيئا. فتعجبت منه. فقال لي: إني تكبرت في موضع يتواضع الناس [هناك]، فابتلاني الله بالذل في موضع يترفع الناس فيه. قال الله تعالى {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}(١) الآية، أي سكنية ووقارا، متواضعين غير أشرين ولا مرحين ولا متكبرين. قال الحسن (٢)[علماء حلماء]، وقال محمد بن الحنفية أصحاب وقار وعفة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا، والهون بالفتح في اللغة الرفق واللين. قال أبو حاتم، (٣) وأنشدني [الكريزني]:
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا ... فكم تحتها قوم هُمُ منك أرفع
فإن كنتَ في عزٍّ وخيرٍ ورفعة ... فكم مات مِن قوم همُ منك أوضع
وقال الحسن: التواضع أن تخرج من بابك فلا يلقاك مسلم إلا رأيت له عليك فضلًا.
قوله -صلى الله عليه وسلم- حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد الحديث. الفخر ادعاء الكبر والشرف، فعليك بالتواضع وعدم الفخر على أحد فإن رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نبَّهك على التواضع بأن أصلك من تراب فقال في خطبة حجة الوداع الناس من آدم وآدم من تراب. وقوله ولا يبغي أحد على أحد،
(١) سورة الفرقان، الآية: ٦٣. (٢) تفسير البغوي ٣/ ٣٧٥، تفسير الثعلبي ٧/ ١٤٥، مدارج السالكين ٢/ ٣٢٧. (٣) روضة العقلاء (ص ٦١).