وَكَانَ الشَّيْخُ مِمَّنْ قَدْ رَأَى السَّائِلَ فِي الحَمَّامِ بِلَا مِئْزَرٍ، مَكْشُوْفَ العَوْرَةِ، فَقَال لَهُ: لَا أُجِيْبُكَ عَنْ مَسْأَلَتَكَ حَتَّى تَقُوْمَ هَهُنَا فِي وَسَطِ الحَلْقَةِ، وَتَخْلَعَ قَمِيْصُكَ وَسَرَاوِيْلُكَ، وَتَقِفُ عُرْيَانًا، فَقَالَ السَّائِلُ: يَا سَيِّدِنَا، أَنَا أَسْتَحْيِيْ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ، فَهَؤُلَاءِ الحُضُوْرُ، أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الَّذِيْنَ كَانُوا فِي الحَمَّامِ، وَدَخَلْتَ مُكَشَفًا بلَا مِئْزَرٍ، أَيْشٍ الفَرْقُ بَيْنَ جَامِعِ المَنْصُوْرِ وَالحَمَّامِ؟ فَاسْتَحْيَى الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ فَصْلًا طَوِيْلًا فِي النَّهْيِ عَنْ كَشْفِ العَوْرَةِ، وَأَجَابَ عَنْ سُؤَالِهِ.
وَقَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: كَانَ حَسَنَ الفَتْوَى، مُتَوَسِّطًا فِي المُنَاظَرَة فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، إِمَامًا فِي الإِقْرَاءِ، زَاهِدًا، شُجَاعًا، مِقْدَامًا، مُلَازِمًا لِمَسْجِدِهِ، يَهَابُهُ المُخَالِفُوْنَ، حَتَّى إِنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ ابنُ الزَّوْزَنِيِّ (١)، وَحَضَرَهُ أَصحَابُ الشَّافِعِيِّ - عَلَى طَبَقَاتِهِمْ وَجُمُوْعِهِمْ - فِي فَوْرَةِ أَيَّامِ القُشَيْرِيِّ (٢) وَقُوَّتِهِمْ بِنِظَامِ المُلْكِ حَضَرَ، فَلَمَّا بَلَغَ الأَمْرُ إِلَى تَلْقِيْنِ الحَفَّارِ قَالَ لَهُ: تَنَحَّ حَتَّى أُلَقِّنَهُ أَنَا، فَهَذَا كَانَ عَلَى مَذْهَبَنَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ وَابنَ أَمَتِهِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْكَ
(١) ابنُ الزَّوْزَنِيِّ هُوَ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ مَحْمُوْدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ (ت: ٤٥١ هـ) من كِبَارِ صُوْفِيَّةِ "بَغْدَادَ" في زَمَنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ابنُ الزَّوْزَنِيِّ عَلَى مَذْهَبِ ابنِ القَوَّاسِ الفِقْهِيِّ الحَنْبَلِيِّ، وَإِلَّا كانَ مُستدْرَكًا عَلَى المُؤَلِّفِ، لَكنَّهُ كَانَ عَلَى مَذْهَبِهِ في الاعتِقَادِ، فَهُوَ سَلَفِيُّ المُعْتَقَدِ، وَهَذَا لا يَتَعَارَضُ مَعَ أنَّه صُوْفِيُّ المَنْزَعِ، وَقَوْلُهُ: "بَلْ حَنْبَلِيٌّ سُنِّيٌّ" أَيْ: عَلَى عَقِيْدَةِ الحَنَابِلَةِ، عَقِيْدَةِ السَّلَفِ - رَحِمَهُمُ اللهُ - فِي الأُصُوْلِ.(٢) سَاقِطٌ من (هـ) و (ط) بطبعتيه، وهي معلقة بخطٍّ دَقِيْق في (ب) وَابْن القُشَيْرِيِّ هو عَبْدُ الرَّحِيْمِ بنُ عَبْدِ الكَرِيْمِ (ت: ٥١٤ هـ) تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute