همة الشبان وهو ابن تسعين، وتولّى هذه المملكة وهو ابن عشرين، ما قصده عدو إلا مكنه الله منه، ولا رسم ملك من ملوك التتر بقتله إلا هلك قبل نفاذ أمره وامتثاله، ولم يبلغ ما بلغ من ملكه وكثرة رجاله، ولا تمنعه جباله، ولكن سعادته وإقباله.
ثم مات وخلفه ولده عز الدين. وكان يكنى به فيما ألف منه وعرف به. ثم أخوه نجم الدين خضر. وكان من الرفاهية على سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة (١)، ونعم مما ترك أبوه موروثة، إلىحاشية وغاشية، وعقار وماشية، وسعادات قديمة وناشيه.
ومكانته في الدولتين الإسلامية والتتارية لا تطاول ورتبته عالية في الجهتين لا تحاول، وانبساط في اللذات، وشرف بالعرض والذات، ويد لا تقصر في أدب، ولا تبالي بلاغتها بما تنفق من كنوز الفضة والذهب. وكانت ترد على الأبواب السلطانية بمصر ونواب الشام منه كتب تنهل بماء الفصاحة كالسحب، وتسرح من أحيافها الأبكار العرب.
ثم مات ﵀ وخلفه ولده وجرى على سنته، ونمت به في أهل بيته منته.
ويلي يسار وأعمالها، وتل حفتون، وبلادها بلاد السهرية المشهورين باللصوصية؛ وهي من بلاد شقلا باذ (٢) إلى خفتيان (٣) أبي علي، ويعرف بخفتيان الصغير، وما بين ذلك من الدست والدربند (٤) الكبير؛ وهم قوم لا يبلغ عددهم ألفًا، وجبالهم عاصية، ودربندهم بين جبلين شاهقين يشقهما الزاب (٥) الكبير، وينقلب على صخورهما بصوت مفزع، وهدير قوي عليه ثلاث قناطر؛ اثنتان منهما بالحجر والجر، والوسطى مظفورة من الخشب كالحصير، علوّها عن جهة الماء مائة ذراع في
(١) إشارة إلى الآية الكريمة: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾ «سورة الغاشية: الآيات ١٣ - ١٦». (٢) شقلاباذ: قرية كبيرة في سفح الجبل المطل على إربل، بينها وبين إربل ثمانية فراسخ «مراصد الإطلاع ٢/ ٨٠٦». (٣) خفثيان: قعلتان عظيمتان من أعمال إربل إحداهما على طريق مراغة والأخرى في طريق شهرزور «مراصد الإطلاع ١/ ٤٧٥». (٤) دوبند بشروان وهو باب الأبواب «مراصد الإطلاع ٢/ ٥٢١». (٥) هو الزاب الأعلى بين الموصل وإربل «مراصد الإطلاع ٢/ ٦٥٢».