للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ذلك النهار، عادوا إلى مرساهم الذي كانوا فيه، ثم أخذوا للسفر في اليوم الثاني، وربما جرى لهم هذا في السفرة الواحدة غير مرة لتوعر المسالك وتعذر سلوكها على السالك، وهذا النيل وهو نهر من الأنهار لا يمر من البحار. يُقطع مداه العين في فرد نظرة، ويبلغه في بعضه صوت المنادي، إذا ركبه من يريد عبوره من جانب إلى آخر يرى ربّانه يأخذ مصعدًا إلى مدى فيه ثم يأخذ في شقه عرضًا بالمسارقة لخطف الماء للمراكب إلى الانحدار فلا يجوزه من جانب إلى جانب حتى تقطع فيه طولًا ثم عرضًا قدر عرضه مرتين وأكثر في الغالب وخصوصًا عند اشتداد الهواء وانقلاب الرياح. وكذلك الصاعد إلى كل جبل بل إلى كلّ أكمة لا يصعد فيها إلا بتعاريج مرةً عن اليمين ومرة عن الشمال، فلا يبلغ أعلاها إلا بعد أن يقطع في المرتقى تلك التعريجات قدر سواء الطريق في المرتقى مرتين أو ثلاثة في الغالب، ومن أخبار العرب أن تأبط شرًّا (١) صعد جبلًا ليجني عسلًا فأتى قوم من أعدائه فأخذوا خناق الطريق ولم يكن إلى الجبل سبيل إلا منه، فلما رآهم أيقن بالقتل أو الأسر، وطاف يرتاد منزلًا له، ورأى صفاء صلدًا يزلق، ففرغ أوطابه وكان قد ملأها، فذاب العسل على الصفاء، وشدّ الأوطاب على بطنه وفخذيه وانسحل على متن الصفاء حتى نزل إلى الأرض سالمًا لم يُصبه شيء وأعداؤه لا يعلمون بما فعل، فنجا منهم. ويقال إنه كان بين منزله وبين موقفهم على السبيل نحو يومين لمن يسير، وفي فعلة تأبط شرًا هذا يقول (٢): [من الطويل]

إذا المرء لم يحتل وقد جد جده … أضاع وقاسي أمْرَهُ وهو مُدْبِرُ

ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلًا … به الخطب إلا وهو للقصدِ مُبْصِرُ (٣)

فذاك قريع الدهر ما عاش حُوّلٌ (٤) … إِذا سُدَّ منه منخر جاش منخر

أقول للحيان وقد صفرت لهم … وطابي ويومي ضيق الحجر مُعْوِرُ

هما خُطَّتا إما اسار ومنّةٌ (٥) … وإِما دَم والقتل بالحر أجدر


(١) تأبط شرًا، واسمه ثابت بن جابر بن سفيان (وقيل خالد) أحد بني فهر بن عمرو بن عيلان، وتأبط شرًا لقب غلب عليه، وهو شاعر من فتاك الجاهلية وصعاليكهم وعدائيهم، وأخباره كثيرة في الأغاني وحماسة أبي تمام وخزانة البغدادي وشعره مجموع، جمعه سلمان داود القره غولي وجبار تعبان جاسم ونشراه محققًا ببغداد سنة ١٩٧٣.
(٢) شعره ص ٨٩.
(٣) في الديوان به ال الأمر إلا وهو للحرم مبصر.
(٤) في الديوان: (ما كان حوّلًا).
(٥) في الديوان: (لكم خصلة إما فداءً ومنة).

<<  <  ج: ص:  >  >>