وكان يسمى مهرؤك بن مالق (١) كتب في سنة سنة سبعين ومائتين إلى صاحب المنصورة (٢)، وهو عبد الله بن عمر بن عبد العزيز (٣) يسأله أن يفسر له شريعة الإسلام بالهندية، فأحضر عبد الله رجلًا كان بالمنصورة وأصله من العراق، جيد القريحة، حسن الفهم شاعرًا قد نشأ بناحية الهند وعرف لغاتهم على اختلافها فعرفه ما سأله ملك الراء فعمل قصيدة ذكر فيها ما يحتاج إليه وأنفذها إليه فلما قرئت على ملك الراء استحسنها وكتب إلى عبد الله يسأله حمل صاحب القصيدة فحمله إِليه، وأقام عنده ثلاث سنين، ثم انصرف عنه، فسأله عبد الله عن أمر ملك الراء فشرح له أخباره، وأنه تركه وقد أسلم قلبه ولسانه. وأنه لم يمكنه إظهار الإسلام خوفًا من بطلان أمره وذهاب ملكه، وكان فيما حكاه عنه أنه سأله أن يفسر له القرآن بالهندية ففسر له. قال: فانتهيت من التفسير إلى سورة يس، ففسرت له قوله: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ (٤) فقال: فلما فسرت عليه هذا وهو جالس على سرير من الذهب مرصع بالجواهر، لا يُعرف له قيمة، قال: أعد علي، فأعدت ونزل عن سريره ومشى إلى الأرض، وكانت قد رُشَّتْ بالماء وهي وسخة، فوضع خدَّه على الأرض وبكى حتى تلوّث وجهه بالطين، ثم قال: هذا هو الرب المعبود الأول القديم الذي ليس يشبهه أحد. وبنى بيتًا لنفسه، وأظهر أنه يخلو فيه لمهمه، وكان يصلّي فيه سرًّا، من غير أن يطلع على ذلك أحد وأنّه وهب له في ثلاث دفعات ستمائة منًا ذهبًا
ثم قال (٥): وحدثني أن لأهل قشمير الأعلى يوم عيد في كل سنة يجتمعون فيه، ويصعد خاطبٌ لهم على منبر ومعه جرّة من طين غير مطبوخ فيخطب ثم يقول: وقوا أنفسكم وأموالكم واحفظوها، ويعظهم ثم يقول: انظروا إلى هذه الجرة من طين وقيت
وقد وضع بزرك بن شهريار كتاب (عجائب (الهند) اعتمادًا على قصص جمعها من أفواه رجال البحر بين سنتي ٢٨٨ و ٣٤٢ هـ. واعتمدت هنا عن طبعة يوسف الشاروني. (١) في عجائب الهند: (رائق). (٢) المنصورة، بأرض السند وهي قصبتها، وهي مدينة كبيرة، وملكهم قرشي من ولد هبار بن الأسود تغلبوا عليها إلا أنهم كانوا يقيمون الخطبة لبني العباس (معجم البلدان ٥/ ١١). (٣) عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن المنذر، من نسل هبار بن الأسود القرشي، ثاني الأمراء أصحاب (ثغر السند) من هذه الأسرة كانت قاعدتهم المنصورة) ولي بعد وفاة أبيه. وكان يخطب للخليفة العباسي. وتداول أبناؤه الإمارة من بعده إلى أن غلبهم عليها محمود بن سبكتكين صاحب غزنة. توفي سنة ٢٨٠ هـ تقريبًا. الأعلام ٤/ ١٠٩، وشذرات الذهب ٣/ ٢٤٥، والبداية والنهاية ١٢/ ٤٦. (٤) سورة يس: ٧٨ - ٧٩. (٥) الخبر بنصه في عجائب الهند ص ٤٨.