للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأذهب صدر عمره في التجوّل في أقطاره. والتحول في أسفاره، فقطعه شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، وبلاد إسلام وكفر، حتى أحاط علمًا بأحواله، وما هو عليه فعرفته ما ظهر لي في القنابص، وعرضتُ عليه ما فهمتُ فتطوَّل بإحسانِهِ وشكر، وقال: أجدت ما فهمت وأحسنت فيما استنبطت، ثم قال: اعلم أنَّ المسافر في البر والبحر في كل أرض وإلى كل أرض لا دليل له أدلّ من تحقق جهة المشرق والمغرب والجنوب والشمال، فإن هذه أصل كلّ ما يقال في هذا الشأن وعليه يعمل جميع الأعمال، واعلم أن القنباص يشتمل على البحر الشامي ومخرجه من المحيط في أقصى الغرب إلى الزقاق إليه، وخلجه ومشاهير جُزره، وما يتصل به من بحر نيطش ومانيطش والبر المحيط به من جنوبه وشماله وشرقه، فأما الخطوط التي فيه، فهي الرياح التي تسافر بها المراكب، ومنها أسود وأحمر وأخضر على ما يأتي في الدائرة المكملة التقسيم، وسنبين معنى تلوين هذه الخطوط، فهذا ما هو في القنباص، وأما المهم المقدم فهو أمر الرياح، وهي أربعة: جنوبي وشمالي وتسمّيه التجارة سُميّة، ويُسميه أهل مصر البحري. وشرقي وغربي، فهذه هي أصل الرياح، وتنقسم هذه الرياح كل ريح اثنتين، فتصير ثمانية رياح، ثم تنقسم الثمانية كل ريح اثنتين فتصير ست عشرة ريحًا، ثم ينقسم كل ريح اثنتين فتصير اثنتين وثلاثين ريحًا وهذه جميع ما يسافر بها التجارة.

قال: فالجنوبي قبالته سُميّة، والشرقي قبالته الغربي، ثم لما انقسمت إلى ثمانية، سميت الأربعة رياح الأخر شلوق ولباج وَجَرْج وتبراني، فصارت هذه الثمانية أصولًا كلها، وهي التي تُخَطُّ بالأسود، ثم لما انقسمت هذه الثمانية فصارت ست عشرة، لم تُسَمَّ الثمانية التي انقسمت منها بأسماء تعرف بها، وإنما سُمِّيت أرباعًا أحدها ربع، وإنما سميت بهذا؛ لأنها ربع الأربعة الأصول الأول، وهذه الأرباع هي التي تُخَطُّ بالأحمر، ثم لما انقسمت هذه الأرباع الستة عشر فصارت اثنين وثلاثين سميت أثمانًا، واحدها ثمن؛ لأنها ثمن الأربعة الأصول الأول، وهذه الأثمان هي التي تُخَطَّ بالأخضر.

والفائدة في تقسيم الأصول الأربعة حتى انتهى إلى هذه الأثمان لما يحتاج إليه المسافر من جهة لا تبلغها ريح كاملة فتزيد أو تنقص بمقدار ما تحتاج إليه من الأرباع أو الأثمان، وكذلك في أوقات الريح المخالفة وغير ذلك مما يحتاج إليه راكب البحر ولو لم تنقسم الأصول الأربعة، لصعب عليهم العمل بالكامل، فما لا يحتمل الكامل ولا شطره مثل مَنْ لا يحتاج إلا إلى ثمن ريح لا غير، وفي هذا من الفوائد الجليلة ما لا خفاء به.

قال: فأما مهاب الرياح الأربع فمعلوم، فالجنوبي هو اليماني وقبالته الشمالي،

<<  <  ج: ص:  >  >>