نهر يانة، وهو نهر كبير ويسمى النهر الغؤور لذلك (١)، وينتهى جريه إلى حصن مارتلة (٢)، ويصبّ قريبًا من جزيرة شلطيش، ومن مدينة بطليوس إلى مدينة اشبيلية ستة أيام على طريق حجر (٣) ابن أبي خالد إلى جبل العيون إلى أشبيلية، ومن مدينة بطليوس إلى مدينة ماردة على نهر يانة شرقًا ثلاثون ميلًا وبينهما حصن على يمين المار إلى ماردة.
ومدينة ماردة (٤): وكانت في قديم الدهر دار ملك يدلُّ عليها آثارها. قال الشريف في كتاب أجار: وبها من البناء آثار ظاهرة تنطق على ملك وقدرة وتعرب عن نخوة وعزة، وتُفصح عن عظة (٥) وعبرة، فمن هذه البناءات أن في غربي المدينة قنطرة كبيرة، ذات قسي عالية الذروة كثيرة العُدَد عريضة المجاز، وقد بني على ظهر القسي أقباء (٦) تتصل من داخل المدينة إلى آخر القنطرة، ولا يرى الماشي بها، وفي داخل الداموس قناة ماء تصل المدينة، ومشي الناس والدواب على أعلى تلك الدواميس، وهي متقنة البناء وثيقة التأليف حسنة الصنعة، والمدينة عليها سور من حجارة منجورة في أحسن صنعة، وأوثق بناء، ولها في قصبتها قصور كثيرة خربة وفيها دار يقال لها: دار الطبيخ وذلك أنها في ظهر مجلس القصر، وكان الماء يأتي دار الطبيخ في ساقية هي الآن بها باقية الأثر، لا ماء بها، فتوضع صحاف الذهب والفضة بأنواع الطعام في تلك الساقية على الماء حتى يخرج بين يدي الملكة، فيترفع على الموائد، ثم إذا فرغ من أكل ما فيها وُضِعَتْ في الساقية فتستدير إلى أن تصل إلى يد الطباخ بدار الطبخ، فيغسلها ويرفعها ويمرّ بقيّة ذلك الماء في سروب القصر ومن أغرب الغرائب جلب ذلك الماء الذي كان يأتي على القصر على عمدٍ مَبنية وهي أعداد كثيرة باقية إلى الآن قائمة على قوائم لم تخل بها الأزمان ولا غيرتها الدهور فمنها، قصار، ومنها طوال بحسب الأماكن التي وجب فيها البناء، وأطولها يكون غَلْوَة (٧) سهم، وهي على خط مستقيم، وكان
(١) في النزهة؛ لأنه يكون في موضع يحمل السفن ثم يغور تحت الأرض حتى لا يوجد منه قطرة، فسمي الغؤور لذلك. (٢) في الأصل: مارتلد ومارتلة مدينة صغيرة في جنوب البرتغال وانظر: الروض المعطار ص ٥٢١. (٣) في الأصل: مجري، والتصويب عن النزهة. (٤) نزهة المشتاق ص ٥٤٥، وانظر: الروض المعطار ص ٥١٨ ومعجم البلدان (ماردين). (٥) في الأصل: غبطة، والتصويب عن النزهة. (٦) في الأصل: أفناء، والتصويب عن النزهة. (٧) الأصل: علوة.