للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الاستواء من جهة الجنوب لشدّة الحرارة؛ فقوله مردود بأدلة ظاهرة منها أن الحرارة لا تكون إلا للحركة أو لملاقاة جسم حار أو لشدَّة الضوء والشمس في طبعها ليست بحارة، ولا لها شيء من الكيفيات المزاجية لبساطتها، ولا يقبل الضوء إلا الأجسام الصقيلة والغير والأجسام الكثيفة بعدهما.

وأما الأجسام الشفافة فلا تقبله فتبين من ذلك أنَّ الشمس لا تسخن الأرض كما تسخن الأجسام الحارة أجسامًا أخرى تماسها؛ لأنها لا تماس الأرض وليست حارة [الطبع ولا] (١) الأرض أيضًا تسخن بالحركة؛ لأنها ساكنة بطبعها، ولا الشمس أيضًا تسخن الهواء فتسخن الأرض؛ لأنَّ في وقت الظهيرة تجد الهواء القريب من الأرض أبرد من الهواء البعيد عنها في السطوح العالية فتبيَّن أن تسخين الشمس بالإضاءة المنكوسة لانعكاس الشعاع.

وقد قام الدليل أن البقاع التي على خط الاستواء لا تسامت الشمس رؤوس أهلها سوى مرتين في العام في رأس الحمل والميزان، ويكون جنوبهم ستة أشهر وشمالهم ستة، ويزول عنهم بسرعة فلا يستمر تأثيرها فتسخنهم وليست كذلك في الآفاق المائلة.

انتهى كلام شارح رسالة حي بن يقظان في ذلك، ونحن قد أوردناه بمعناه وإن لم يكن بلفظه لما فيه من إقامة الدليل على إمكان العمارة هناك.

[والذي يظهر أن ما وراء خط الاستواء إلى جهة الجنوب يكون بمزاج ما وراءه إلى جهة الشمال، وإنما وقع الاختلاف منه في تباين المراح ما سار منها أرضه وسماؤه، فمن السماء إختلاف ممرّ الكواكب على سمت الرأس السيارة والثوابت واختلاف القطبين، ومن الأرضية اختلاف البقاع بالكيفيات في قبول الحرارة من الشمس والترطب من القمر في قبول الحرارة من الشمس والترطب من القمر، وغير ذلك مما تستفيده الكيفيات باختلاف أمزجتها، فإننا نرى بلدين لا يكادان يختلفان كبغداد ودمشق وبغداد أشدّ حرارة من دمشق وأنَّ ذلك لأسباب أرضية - كما قلنا - وقد يكون في جهات أخرى أسباب سماوية وقد يجتمعان] (٢).

وأما ما هو من وراء الإقليم السابع فمرئي مشهود، وحدّث به كثير من التجار والمتجولين في البلاد. وسكانه يسكنون الحمامات أو ما هو شبيه بالحمامات مما يتخذ فيه مواقد النار، ولا يكاد ترى به الشمس لتوالي الأنواء، وكدر الجو مما يركبه من الغمائم والصّباب المتراكم المتراكب كالظلمات.


(١) ما بين معقوفتين من هامش الأصل.
(٢) ما بين المعقوفتين من هامش الأصل.

<<  <  ج: ص:  >  >>