ومن مأثور كلامه في علم البديع قوله في الالتفات: الالتفاف انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، ومثاله من القرآن العزيز بالإخبار بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ثم قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) ومثاله من الشعر، قول جرير: [من الوافر]
إذا كان الخيام بذي طلوحٍ … سُقيت الغيث أيتها الخيام
أو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار كقوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بريح طَيِّبَةٍ﴾ (٣) ومثال ذلك من الشعر قول عنترة: [من الكامل]
ولقد نزلت فلا تظنّي غيرَةً … منّي بمنزلة المحب المُكْرمِ
كيف المزار وقد تربَّع أهلَها … بِعُنيزَتين وأهلنا بالغيلم
وقال: التمام هو اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، ثم يعود المتكلم فيتمه، وهو أن الكلمة التي إذا طرحت من الكلام نقص معناه، ومبالغته أن لفظه يوهم بأنه تام. ومثاله قوله تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (٤) فقوله تعالى ﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ تتميم، وقوله تعالى ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ تتميم ثان في غاية البلاغة التي يذكرها. تم معنى الكلام.
وقد ذكر شيخنا أبو الثناء الكاتب في البديع: عتاب المرء نفسه ولم ينشد فيه سوى بيتين ظن أن الآمدي أنشدهما عن الجاحظ وهما: [من الطويل]
عَصَاني قومي والرشاد الذي [بِهِ] … أَمَرْتُ ومَنْ يَعْصِ المُجرِّبَ يَنْدَمُ
فصبرًا بني بكر على الموت إنني … أرى عارضًا ينهل بالموت والدم
قال شيخنا ﵀ في حسن التضمين: ومن إنشادات ابن المعتز في هذا الباب: [من السريع]
عود لمن [قد] بت ضيفًا لهُ … أَقْرَاصَهُ منِّي بِياسين
فبتُ والأرضُ فِرَاشي وقدْ … عَنَّتْ (قَفَا نَبْكِ) مصاريني
وذكر في الاستطراد أن ابن المعتز سماه الخروج من معنى إلى معنى، وفسره بأن قال: هو أن يكون المتكلم في معنى، فيخرج منه بطريق التشبيه، أو الشرط، أو الإخبار، أو غير ذلك إلى معنى آخر يتضمن مدحًا أو قدحًا أو وصفًا ما، وما أنشد فيه: [من الطويل]
(١) سورة الفاتحة: الآية ٢.
(٢) سورة الفاتحة: الآية ٥.
(٣) سورة يونس: الآية ٢٢.
(٤) سورة النحل: الآية ٩٧.