للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان سبب رحيله أن أبا العباس عدل بالحجبة عنه، وكان يريدها ويخطبها، ولو قطعت أوداجه ووريدها، فحقدها عليه وأرقدها لديه، ثم إن أهل القصر أجمعوا على الصعود من الماء لاغتيال ابن المعتز، فلما رآهم أصحاب ابن المعتز أكبروهم وقالوا: هذا رأي ابن حمدان، ولهذا تركنا وفر، وظنوها عن رأيه، فخرج ابن المعتز، ومعه محمد بن داود الوزير، وبين أيديهما غلام ينادي: يا معشر المسلمين ادعوا لخليفتكم هذا السني البربهاري، إشارة إلى أنه على مذهب أهل السنة خلافًا للمقتدر وأهل بيته.

والبربهاري هو أبو الحسن مقدم الحنابلة، وكان لأهل السنة وسائر العامة فيه رأي جميل.

وكان ابن المعتز على مذهبه، ثم سار إلى الصحراء، وهو يظن أن الجنود تتلاحق وراءه، فلم يلتحق به أحد، ولا مد إلى بصره مدى خطوة، ولا ساعد يد، فهم بقصد سر من رأى؛ ليستبد بها سلطانه، ويجتمع عليه فيها، فلما أخفقت أمانيه نزل عن دابته، وقطع أطماع إرادته، والتحق بابن الجصاص الجوهري، فاستجار بذمامه، واختفى في داره، فوشى به خادم لابن الجصاص صغير، فأمسكه المقتدر، وسلمه إلى مؤنس الخادم لأمر قد قدر، فأخرج إلى أهله في اليوم الثاني من خلافته قتيلًا في كساء، لا تأثر له إلا دموع النساء، فرحمه الله وغفر له، وأكرم لديه في الجنة نزله، ورثاه علي بن محمد بن بسام بقوله: [من البسيط]

لِلَّهِ دَرُّكَ مِنْ مَيِّتٍ بِمَضْيَعَةٍ … ناهيك في العلم والآداب والحسب

ما فيهِ مِنْ لَوْ ولا لولا تنقصُهُ … وإِنَّما أدركتهُ حِرْفَةُ الأدب

قلت: ومن غرائب الأمور وما جرى به القدر المأمور أن ابن حمدان هذا بل كل بني حمدان كانوا في غاية التشيع، وخصوصًا هذا الحسن؛ فإنه كان رأسًا في الغلاة، وكان ذا لسن، وكان ابن المعتز غاية في التسنن، وخصمًا في الجدال، تخرس له الألسن، وكان ابن حمدان هو القائم في قيام ابن المعتز على بعد ما بينهما وتنائي جانبيهما، وكل واحد منهما لم يبرح للآخر مناقضًا ولقواعده في المذهب معارضًا، إلا أن الله إذا أراد أمرًا أتمه، وكان أمر الله مفعولا.

وكان ابن المعتز رأس أهل اللغة والنحو، متقنًا للأدب، عالمًا بالبيان، عارفًا بفنونه، مطلعًا على مكنونه، أعرف أهل زمانه بل الناس مطلقًا به، مائلًا إلى الغزل وضروبه، مولعًا بالتشبيه والأوصاف، مجيدًا فيهمًا، وفي التشبيه أكثر، وكان يقول: لو قيل لي: ما أحسن شعر؟ لقلت: قول العباس بن الأحنف. [من البسيط]

قد سحَبَ الناسُ أذيال الظنون بنا … وفرق الناسُ فينا قولهم فرقا

فكاذبٌ قَدْ رَمَى بالظَّنِّ غَيْركم … وصادقٌ ليس يدري أنهُ صَدَقا

<<  <  ج: ص:  >  >>