وأخذ الأدب عن المبرد، وثعلب، وغيرهما. وكان محبًا للعلماء معدودًا منهم، ولم يزل مرشحًا للخلافة، مؤهلًا للملك، يخاف ويرتجى إلى أن كان ما كان من المقتدر من فساد الأمور، وضياع الجمهور لصغر سنه، وغلبة النساء عليه، ورأى العباس بن الحسن الوزير أن هذا يفتقر إلى خلع المقتدر، ومبايعة أبي العباس، فدعا إلى ذلك الحسن بن حمدان، فقام إليه داعيًا، وتردد في التمام له ساعيًا، إلى أن انقاد غالب العامة، وخاصة أرباب العقد والحل، كمحمد بن داود القاضي، وأبي المثنى أحمد بن يعقوب، وبدر الأعجمي، وصوارتكين التركي، ثم راسلوا أبا العباس، فأجابهم على أن لا يسفك دم، ثم بدا للوزير الاقتداره على المقتدر، وضعف أسر أهل رأيه، ورأى أنه يعز عليه بقاء حاله على ما هو عليه من ابن المعتز، فسار إلى بستانه متخليًا عن الفريقين بعد أن شب نهارها، وشد أوزارها، فلحق به حمدان، وبدر الأعجمي، ووصيف فقتلوه، ثم قتلوا في غد ذلك اليوم فاتك المعتضدي، وكان عضدًا للمقتدر، وذلك يوم السبت لتسع بقين من ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين، وركض ابن حمدان إلى الحلبة نحو المقتدر يطلبه بالتدبير، وكان المقتدر هناك يلعب بالكرة، فلما بلغه مقتل الوزير أطلق عنان جواده، والتحق في القصر بأمدادة، ثم أمر فغلقت أبواب القصر، وطوق بالمقاتلة مستعدًا للحضر، فكر ابن حمدان راجعًا يتلظى ندمًا لكونه لم يبدأ به، وأحضر أبا العباس في يومه، وبايعه الناس بالخلافة على يد محمد بن سعيد الأزرق، ولقب الغالب بالله وقيل: المتصف، والأول أصح.
ولم يتأخر عن بيعته سوى الحسن بن الفرات، فاستوزر محمد بن داود، وقلد علي بن عيسى الدواوين، وكتب الكتب ببيعته إلى الآفاق، وأرسل إلى المقتدر يأمره بأن ينتقل إلى دار عبد الله بن طاهر، فأجابه بالامتثال، وسأله في المهلة، وأصبح ابن حمدان إلى دار الخلافة والمقتدر ليخرجه منها، فقاتله الغلمان والخدم عامة النهار، ولم يكن قد بقي مع المقتدر سوى مؤنس الخادم، وبعض حاشية الدار. وتربص ابن حمدان الغفلة، فلما نصل الدجى الذي صبغه المغرب، ووضع حمله الليل المقرب، وحنين الفجر قد كاد أن يرمي سقطا، وأنامل الصبح قد كادت تأتي على دراهم النجوم لقطا، وقد تثاءب الشرق وآن للغرب الذي تمطى وتمشى نسيم السحر وتخطى، فاقتعد جمله، وقبل السرى أمله، والحذر يستطيره، والخوف يدني منه جناح طائر يستعيره، ودام سارحًا في نهاره، وساريًا في أنهاره، حتى إذا دميت في الأصل أخفاف مطيه الحفية، وطفئت حديدة النهار في عين شمسه الحمية، نزل ليريح، ويقيم جنب نضوه الطريح، فبينما هو قد نزل بقيته، ومسك الليل قد ذر فتيته، أدركته بادرة الخيل، وألفته حذاء سهيل.