ملك تفرد بالصفات الحسان، وجمع العدل والإحسان، وأقدم وقد خرس كل لسان. نقب عن أسرار الكلام، وأخرج زهره من الكمام، فوضح البيان، ولمح ملء العيان، واجتليت أقماره الطوالع، واجتنيت أنواره اللوامع، وكان زينة لسمائه، وحلية الصباح زمانه ومسائه، تخال ذكره عنبرًا يفوح في الأسحار، وجوهرًا يلوح في قلائد الأسمار، من أثرى من حاصل ديوانه أوسع أن كان منفقًا، وأيسر لو كان مملقًا. وتقدم والناس وراءه والنهار يلبس رواءه، فقف وقفة قدامه تتعلم، وقل أو أسكت لا تتكلم، ولم يكن أولى منه بالخلافة، ولا أحق منه أن يرث أسلافه، وإنما أخره وتقدمه، وعرض سمهريه على النار مقومه، وما زال الزمان مغرى بخط كل رفيع، والإساءة إلى من لا تحتاج محاسنه إلى شفيع، وله ذكر في الخلفاء.
ولد لسبع بقين من شعبان سنة سبع وأربعين ومائتين وأبوه المعتز. أمه أم ولد اسمها قبيحة، سميت بذلك لفرط حسنها، وزعم ابن خلكان، أنه: كان حنفي المذهب، قال: ويدل على هذا قوله في الخمرة المطبوخة: [من الطويل]
وَقَتْنِي مِنْ نارِ الجحيم بنفسها … وذلك معروف لها ليس يُجحَدُ
والأغلب والله أعلم أنه كان حنبلي المذهب على ما يأتي، وإنما قال هذا في الخمرة تفسحًا في القول، على عادة الشعراء في التفسح في القول.