للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كماء طريق الحج في كُلِّ مَنْهَلٍ … يُذَمُّ على ما كان منه ويُشرَبُ

[٢] قدامة بن جعفر بن قدامة الكاتب، أبو الفرج (١)

رجل طالما تقضى النهار وفرعه مهزوز، وسهر الليل وبرقه كأنه عمود فضة محزوز، فأنهز للفضائل أوداجًا، وكاشف الدجى وقد داجى، ولم يزل يعري عن منكب الليل دواجا، ويساقط لؤلؤ الفرقدين أزواجا، إلى أن أصبح اسمه مثلًا مضروبًا، وعذبه الزلال منهلًا مشروبًا، ولهذا كل ذي قدم في البلاغة لا يُشبه إلا بقدامة، ولا يقاس به الصابيء ابن هلال فنجي منه قلامه، وناهيك برجل سعي صيته بين الخافقين، ووسع جنباه مثل النيل والفرات الدافقين، وطال الأمد عليه وقد بلي جسده، وذهبت رحمته وحسده، والألسنة بذكره لهحة، وبفضائله وإن لم تهب من كراه مبتهجة.

كان نصرانيًا، وأسلم على يد المكتفي بالله، وكان أحد البلغاء الفصحاء، والفلاسفة الفضلاء، وممن يشار إليه في علم المنطق،، وحضر مجلس الوزير الفضل بن جعفر بن الزيات وقت مناظرة أبي سعيد السيرافي ومتى المنطقي سنة عشرين وثلاثمائة، ومات سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.

قال صاحب بغية الألباء: بلغني أن بعض متعاطي الأدب شرح المقامات الحريرية، فقال عند قوله: ولو أوتي بلاغة قدامة، ان قدامة بن جعفر كان كاتبًا لبني بويه، قال: وجهل في هذا القول، فإن قدامة كان أقدم عهدًا، وهو المذكور البغدادي من أهل الفضل، عالم بالأدب. ادرك زمن ثعلب والمبرد، وابن قتيبة وطبقتهم.

وذكر شيخنا أبو الثناء الكاتب في «التوشيح» قال: وقال قدامة: هو أن يكون في أول البيت معنى إذا علم علمت منه قافية البيت بشرط أن يكون المعنى المقدم بلفظه كقول الراعي النميري: [من الوافر]

فَإِنْ وُزِنَ الحَصَا فَوَزَنْتُ قَومي … وَجَدْتُ حَصَا ضَربتهِمْ رَزِينا

قال: السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة الحصا، وعرف القافية والروي علم آخر البيت.


(١) ترجمته في: معجم الأدباء ١٧/ ١٢ - ١٥، الفهرست ١١٤، المنتظم ١٤/ ٧٣ رقم ٢٥٠٥، النجوم الزاهرة ٣/ ٢٩٧، الوافي بالوفيات ٢٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦ رقم ٢١٨، تذكرة الحفاظ ٣/ ٥، نقد النثر ٣٣، جواهر الألفاظ (المقدمة)، معجم المؤلفين ٨/ ١٢٨، الأعلام ٥/ ١٩١.

<<  <  ج: ص:  >  >>