دغفل، ويصير شجىً في حلق أبي العميثل، فإذا أدرك تلك البغية، وجازه بعد المنية، دفن علمه معه، فمات ذكره، وانقطع خبره، ومن قدمنا ذكره من علماء الأمصار احتالوا لبقاء ذكرهم، فألفوا دواوين بقي لهم بها ذكر يتجدد طول الأبد.
فإن قلت: إنه كان ذلك من علمائكم، وألفوا كتبًا لكنها لم تصل إلينا، فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق؛ لأنه ليس بيننا وبينكم إلا روحة راكب، أو دلجة قارب، لو نفث ببلدكم مصدور، لأسمع ببلدنا من في القبور، فضلًا عمن في الدور والقصور، وتلقوا قوله بالقبول، كما تلقوا ديوان ابن عبد ربه منكم الذي سماه «العقد» على أنه يلحق فيه بعض اللوم، إذ لم يجعل فضائل بلده، واسطة عقده، ومناقب ملوكه يتيمة سلكه، لكنه أكثر وطوّل، وأخطأ المفصل، وأطال الهز بسيف غير مقصل، وقعد به ما قعد بأصحابه من ترك ما يعنيهم، وإغفال ما يهملهم: فأرشد أخاك - أرشدك الله - إن كانت عندك في ذلك الجلية، وبيدك فصل القضية، إن شاء الله تعالى.
فراجعه أبو المغيرة برقعة يقول فيها:
أما بعد، أبقاك الله من حميم صريح الود، أهدى تحيته على البعد، فإنَّ الفهم رحم، والأدب ما بين أهله وسائل وذمم. وليس عدم الترائي والعيان، بقاطع للأسباب والأقران، ولا تنائي الديار والمنازل، بقادح في الأذمة والوسائل، والكتاب عوض من الكلام، والتواصل بالنفوس لا بالأجسام، وما زلت أتنسم ذكرك، فأتوهم قدرك، وأسمع خبرك فأرى حبرك، حتى أرادت الأيام كشف السر، ورفع الستر: فتوقفت على الصحيفة التي ظاهرها ديباج مرقوم، وباطنها لؤلؤ منظوم، أو وشي محكوك، وذهب مسبوك؛ فرأيت صورة الأدب باهرة المرأى والعيان زاكية المخبر والامتحان شاهدة لك بأذلق لسان، وأصدق بيان، أنك أبو عذرتها أو مالك جملتها، وواحد فنونها، ووارد معينها، وقادمة جناحها، وصبا رياحها، فسألت سؤال العالم، وبحثت بحث اليقظان المتغافل، وادعيت الحيرة، وأنت أهدى في تلك الفلا من فارط القطا، لتعلم أين المخطئ والمصيب، وكيف الجواب والمجيب: والله يوفق من المراجعة لما يرضيك، ويكون وفق أمانيك، وما أجهل أني على نفسي ابتهل بهذا الدعاء، لمن أسر حسوًا في ارتغاء.
فأول ما قدمت في كتابك ما يُقدّمه ذو الفضل والنبل من ثناء على بلدنا وأهله، ووصفت الجميع على اختلاف طبقاتهم، وتباين درجاتهم، من آرائهم التي نحوها، وعلومهم التي وعوها، بأوفر الأقسام، واحتلالهم من ذلك على الغارب والسنام: حتى عارض الجبان الأسد، وناطح الجوزاء الجلمد، وناطق الأعجم الفصيح