قال أبو مروان: وكتب عن عدة من الأمراء، ونال حظًا عريضًا من دنياهم، إلا أنه اغتبط شابًا بعد أن ألف عدة تواليف، وجرت بينه وبين ابن عمه الفقيه أبي محمد بن حزم هنات ظهر عليه فيها أبو المغيرة، وبكته حتى أسكته؛ لأنه كان أنبه منه في حظور شاهده، وذكاء خاطره، وكان في زمانه في الجد والهزل صاحب اللواء، في مجالس الأمراء مستفخرًا للبيضاء، ممتطيًا للشقراء، وتصوّر في قلوب الرؤساء، فأجزلوا أرزاقه، واعظموا صلاته.
قال ابن بسام: وقد أخرجت من رسائله العميدية، وقصائده اللبيدية، ومما جرى بينه وبين ابن عمه ما يسحر الألباب، ويبهر الشعراء والكتاب.
كتب إليه أبو علي بن الربيب القروي رقعة يقول فيها (١):
«إني فكرتُ في بلدكم أهل الأندلس إذ كان قرارة كل فضل، ومعدن كل طرفة، ومورد كل تحفة، إن بارت تجارة أو صناعة، فإليكم تجلب، وإن كسدت بضاعة فعندكم تنفق، مع كثرة عُلمائه، ووفور أدبائه، وجلالة ملوكه، وصحبتهم للعلم وأهله، ورفعهم من رفعة أدبه، وكذلك سيرتهم في رجال الحرب يقدمون من قدمته شجاعته، وعظمت في الحروب مكانته فشجع عندهم بذلك الجبان، وأقدم النبهان ونبه الخامل، وعلم الجاهل، ونطق الجار، وشعر البكي، واستنسر البغاث، وتثعبن الحفات، وتنافس الناسُ في العلوم، ثم هم مع ذلك في غاية التقصير، ونهاية التفريط، من أجل أن علماء الأمصار دوّنوا فضائل أمصارهم، فخلدوا في الكتب مآثر أقطارهم، وأخبار الملوك والأمراء، والكتاب والوزراء، والقضاة والعلماء، فأبقوا لهم ذكرًا في الغابرين، ولسان صدق في الآخرين؛ وعلماؤكم مع استظهارهم على العلوم، كل امرئ منهم قائم في ظله لا يبرح، وثابت على كعبيه لا يتزحزح؛ يخاف إن صنف أن يعنف، أو تخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، لم يتعب نفسًا أحد منهم في مفاخر بلده، ولم يستعمل نقشًا في فضائل ملوكه، ولا بل قلمًا بمناقب كتابه ووزرائه، ولا سوّد قرطاسًا بمحاسن قضاته وعلمائه؛ على أنه لو أطلق ما عقل الإغفال من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه، لوجد للقول مساغًا، ولم تضق عنه المسالك هنالك، ولكن همة كل أحد منهم أن يطلب شأو من تقدمه من رؤساء العلماء؛ ليحرز قصب السبق، ويفوز بقدح ابن مقبل، ويأخذ كظم